من بين البساتين الأدبية و الثقافية ,, قطفنا لك من كل بستان زهرة ,, وجمعناها لنهديها لك,, فتجول معنا بين بساتين منتدانا ,, حياكم الله ادارة المنتدى



موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 1-1-2013, 04:47 PM   #131
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تااااااابع

في سابعه يوم الخميس سافر الباشا هجانا إلى السويس وصحبته حسن باشا‏.‏

وفي يوم الجمعة خامس عشره وصل مبشرون من ناحية الحجاز وهم أتراك على الهجن والخبر عنهم أن عساكرهم وصلوا إلى المدينة المنورة ونزلوا بفنائها‏.‏
وفي يوم الأحد سابع عشره ورجع الباشا مكن ناحية السويس إلى مصر وفيه وردت أخبار لطائفة الفرنساوية وقنصلهم المقيمين بمصر بأن بونابارته وعساكر الفرنساوية زحفوا في جمع عظيم على بلاد المسكوب ووقع بينهم حروب عظيمة فكانت الهزيمة على المسكوب وانكسروا كسرة قوية وكتبوا بذلك أوراقًا ألصقوها بحيطان دوائرهم وحاراتهم ولما حضر الباشا طلع إليه القنصل وأخبره بتلك الأخبار وأطلعه على الكتب الواردة من بلادهم‏.‏ وفي

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
ليلة الثلاثاء عدى الباشا إلى بر الجزيرة

وأمر بخروج العساكر إلى البر الغربي وعدى أيضًا كتخدا بك بسبب أن عربان أولاد علي نزلوا بناحية الفيوم بجمع عظيم وأكلوا الزروعات فخرج إليهم حسن آغا الشماشرجي فوزن نفسه معهم فرأى أنه لا يقاومهم لكثرتهم فحضر إلى مصر وأخبر الباشا وتحرك الباشا للخروج إليهم ثم بعقيبه أرسل لهم وخادعهم فحضر إليه عظماؤهم فأخذ منهم رهائن وخلع عليهم وكساهم وأعطاهم راحتهم وعين لهم جهات وشرط عليهم أن لا يتعدوها ثم رجع وعدى إلى بر مصر في ليلة الخميس حادي عشرينه‏.‏
وفي سادس عشرينه نهب العرب القافلة القادمة من السويس بحمل بضائع التجار وغيرهم وقتلوا العسكر الذين بصحبتهم وخفارتهم وأخذوا الجمال بأحمالها وذهبوا بها لناحية الوادي والجمال المذكورة على ملك الباشا وأتباعه لأنهم صيروا لهم جمالًا وأعدوها لحمل البضائع ويأخذون أجرتها لأنفسهم بدلًا عن جمال العرب وذلك من جملة الأمور التي احتكروها طمعًا وحسدًا في كل شيء ولم ينج من الجمال إلا البعض الذين سبقوهم وهم لكتخدا بك فحنق لذلك الباشا وأرسل في الحال مراسلات إلى سليمان باشا محافظ عكا يعلمه بذلك ويلزمه بإحضارها ويتوعده إن ضاع منها عقال بعير والذي ذهب بالمراسلة إبراهيم أفندي المهردار‏.‏
واستهل شهر ذي الحجة بيوم السبت سنة 1227 في عاشره يوم الأضحى وردت هجانة من ناحية الحجاز وعلى يدهم البشائر بالاستيلاء على قلعة المدينة المنورة ونزول المتولي بها على حكمهم وأن القاصد الذي أتت بشائره وصل إلى السويس وصحبته مفاتيح المدينة فحصل للباشا بذلك سرور عظيم وضربوا مدافع وشنكًا بعد مدافع العيد وانتشرت المبشرون على بيوت الأعيان لأجل أخذ البقاشيش‏.‏
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره وصل القادمون إلى العادلية فعملوا لقدومهم شنكًا عظيمًا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة وبولاق والجيزة وخارج قبة العزب حيث العرضي العد للسفر وأيضًا ضربوا بنادق كثيرة متتابعة من جميع الجهات حتى من أسطحة البيوت الساكنين بها واستمر ذلك أكثر من ساعتين فلكيتين فكان شيئًا مهولًا مزعجًا وأشيع في الناس دخول الواصلين في موكب واختلفت رواياتهم وخرج الباشا إلى ناحية العادلية فاصطف الناس على مصاطب الدكاكين والسقائف للفرجة فلما كان قريب الغروب دخل طائفة من العسكر وصحبتهم بعض أشخاص راكبين على الهجن وفي يد أحدهم كيس أخضر وبيد الآخر كيس أحمر بداخلهما المكاتبات والمفاتيح وعاد الباشا من ليلته وصعد إلى القلعة هذا والمدافع والشنك يعمل في كل وقت من الأوقات الخمسة وفي الليل وفي صبح يوم الأربعاء شق الآغا والوالي وآغات التبديل وأمامهم المناداة على الناس بتزيين الأسواق وما فيها من الحوانيت والدور ووقود القناديل والتعاليق ويسهرون ثلاث ليال بأيامها أو لها يوم الخميس وآخرها يوم السبت الذي هو خامس عشره وأخرجوا طاقات وخيامًا إلى خارج بابي النصر والفتوح وخرج الباشا في ثاني يوم إلى ناحية العادلية وهو ليلة يوم الزينة وعملوا حراقات ونفوطًا وسواريخ ومدافع من كل ناحية مدة أيام الزينة وكتبت البشائر إلى جميع النواحي وأنعم الباشا بأمريات ومناصب على عشرين شخصًا من خواصه وعين لطيف بك آغات المفتاح للتوجه إلى دار السلطنة بالبشائر والمفاتيح صحبته وسافر في صبح يوم الزينة على طريق البر وتعين خلافه أيضًا للسفر بالبشائر إلى البلاد الرومية والشامية والأساكل الإسلامية مثل بلاد الأنضول والرومنلي ورودس وسلانيك وأزمير وكريت وغيرهما‏.‏
وفي أواخره وردت الأخبار المترافدة بوقوع الطاعون الكثير بإسلامبول فأشار الحكماء على الباشا بعمل كورنتينة بالإسكندرية على قاعدة اصطلاح الإفرنج ببلادهم فلا يدعون أحدًا من المسافرين الواردين في المراكب من الديار الرومية يصعد إلى البر إلا بعد مضي أربعين يومًا من وروده وإذا مات بالمركب أحد في أثناء المدة استأنفوا الأربعين‏.‏
وفيه وشى بعض اليهود على الحاج سالم الجواهرجي المباشر لإيراد الذهب والفضة إلى الضربخانة وانعزل عنها كما ذكر في وسط السنة عند ورود الرجل النصراني الدرزي الشامي بأنه كان في أيام مباشرته للإيراد يضرب لنفسه دنانير خارجة عن حساب الميري خاصة به فأمر الباشا بإثبات ذلك وتحقيقه فحصل كلام كثير والحاج سالم يجحد ذلك وينكره فقال له أيوب تابعك الذي كان ينزل آخر النهار بالخرج على حماره في كل يوم بحجة الأنصاف العددية التي يفرقها على الصيارف بالمدينة وأكثر ما في الخرج خاص بك فأحضروا أيوب المذكور وطلبوه للشهادة فقال لا أشهد بما لا أعلم ولم يحصل هذا مطلقًا ولا يجوز لي ولا يخلصني من الله أن أتهم الرجل بالباطل فقال اليهودي هذا رفيقه وصاحبه وخادمه ولا يمكنه أن يخبر ويقر إلا إذا خوف وعوقب وإذا ثبت قولي فإنه يطلع عليه ستة آلاف كيس فلما سمع الباشا قول اليهودي ستة آلاف كيس أمر بحبس الحاج سالم ثم أحضروا اخوته والحاج أيوب وسجنوهم وضربوهم والباشا يطلب ستة آلاف كيس كما قال اليهودي واستمروا في ذلك أيامًا وذلك الحبس عند قرأ علي بجوار بيت الحريم بالأزبكية وسبب خصومة شمعون اليهودي مع الحاج سالم أنهم احتجوا على اليهودي بأشياء وقرروا عليه غرامة أيضًا فطلب من الحاد سالم المساعدة وقال له ساعدني كما ساعدتك في غرامتك فقال الحاج سالم إنك لم تساعدني بمال من عندك بل هو من حسابي معك فقال اليهودي ألست كنت أداري عليك فيما تفعله واتسع الكلام بينهما وحضرة الباشا وأعوانه مترقبون لحادث يستخرجون به الأموال بأي وجه كان ويتقولون ويوقعون بين هذا وهذا والناس أعداء لبعضهم البعض تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى‏.‏
ثم إن السيد محمدًا المحروقي خاطب الباشا في شأن الحاج سالم وحلف عليه أن الغرامة الأولى تأخر عليه منها ثلثمائة كيس استدانها من الأوربيين ودفعها وهي باقية عليه إلى الآن ومطلوبة منه وذلك بعد أن باع أملاكه وحصة التزامه فإذا كان ولا بد من تغريمه ثانيًا فإننا نمهل أصحاب الديون ونقوم بدفع الثلثمائة كيس المطلوبين للمداينين وندفعها للخزينة فأجابه لذلك وأمر بالإفراج عن الحاج سالم واخوته ومن معه وفيه اشتد الأمر على إسمعيل أفندي أمين عيار الضربخانة وأولاده بالطلب من أرباب الحوالات مثل دالي باشا وخلافه وضيق العسكر المعينون عليهم منافسهم ولازموا دورهم ولم يجدوا شافعًا ولا دافعًا ولا رافعًا فباعوا أملاكهم وعقاراتهم وفراشهم ومصاغ حريمهم وأوانيهم وملابسهم وكان الباشا أخذ من إسمعيل أفندي المذكور داره التي بالقلعة عندما انتقل إلى القلعة فأمره بإخلائها ففعل ونزل إلى دار بحارة الروم بالقرب من دار ابنه محمد أفندي فاتخذ الباشا دار إسمعيل أفندي دار لحريمه وأسكنهم بها لأنها دار عظيمة جليلة عمرها المذكور وصرف عليها في الأيام الخالية أموالًا جمة فلما استولى عليها الباشا أسكن بها حريمه وجواريه وسراريه ولما قرر عليه غرامته أسقط عنه منها عشرين كيسًا لا غير وجعلها في ثمن داره المذكورة وذلك لا يقوم بثمن رخامها فقط فلما اشتد الحال بإسمعيل أفندي أشار عليه بعض المتشفعين بأن يكتب له عرضحال ويطلع به إلى الباشا صحبة المعلم غالي كبير الأقباط المباشرين ففعل ودخل معه المعلم غالي إلى الباشا فعندما رآه مقبلًا صحبة المذكور أشار إليه بالرجوع ولم يدعه يتكلم فرجع بقهره ونزل إلى داره فمرض وتوفي بعد أيام إلى رحمة الله تعالى ومات قبله ولده حسن أفندي وبقي جميع الطلب على ولده محمد أفندي فحصل له مشقة زائدة باع أثاث بيته وأوانيه وكتبه التي اقتناها وحصلها بالشراء والاستكتاب فباعها بأبخس الأثمان على الصحافين وغيرهم وطال عليه الحال وانقضت مواعيد المداينين له فطالبوه وكربوه فتداين من غيرهم بالربا والزيادة وهكذا والله يحسن لنا وله العاقبة‏.‏
وفيه قدم إلى الإسكندرية قليون من بلاد الإنكليز فيه بضائع وأشياء للباشا ومنها خمسون ألف كيس نقودًا ثمن غلال وخيول يأخذونها من مصر إلى بلادهم فطفقوا يطلبون لهم الخيول من أربابها فيقيسون طولها وعرضها وقوائمها بالأشبار فإن وجدوا ما يوافق غرضهم ومطلوبهم في القياس والقيافة أخذوه ولو بأغلى ثمن وإلا تركوه‏.‏
وفيه أيضًا أرسل الباشا لجميع كشاف الوجه القبلي بحجز جميع الغلال والحجر عليها لطرفه فلا يدعون أحدًا يبيع ولا يشتري شيئًا منها ولا يسافر بشيء منها في مركب مطلقًا ثم طلبوا ما عند أهل البلاد من الغلال حتى ما هو مدخر في دورهم للقوت فأخذوه أيضًا ثم زادوا في الأمر حتى صاروا يكسلون الدور ويأخذون من الغلال أقل أو أكثر ولا يدفعون له ثمنًا بل يقولون نحسب لكم ثمنه من مال السنة القابلة ويشحنون بذلك جميع مراكب الباشا التي استجدها وأعدها لنقل الغلال ثم يسيرون بها إلى بحري فتنقل إلى مراكب الإفرنج بحساب مائة قرش عن كل أردب وانقضت السنة ولم تنقض حوادثها بل استمر ما حدث بها كالتي قبلها وزيادة‏.‏
فمنها ما أحاط به علمنا وذكرنا بعضه ومنا ما لم يحط به علمنا أو أحاط ونسيناه بحدوث غيره قبل التثبت ومنها أن الباشا عمل ترسخانة عظيمة بساحل بولاق واتخذ عدة مراكب بالإسكندرية لخصوص جلب الأخشاب المتنوعة وكذلك الحطب الرومي من أماكنها على ذمته ويبيعه على الحطابين بما حدده عليهم من الثمن ويحمل في المراكب المختصة به بأجرة محددة أيضًا ويأتي إلى ديوان الكمرك ببولاق فيؤخذ كركه إلى مكسه وهو راجع إليه أيضًا إلى أن استقر سعر القنطار الواحد من الحطب بثلثمائة وخمسة عشر نصف فضة وأجرة حمله من بولاق إلى مصر ثلاثة عشر نصف وأجرة تكسيره مثل ذلك فيكون مجموع ذلك ثلثمائة وأربعين نصف فضة القنطار وقد اشتريناه قبل استيلاء هذه الدولة بثلاثين نصفًا وأجرة حمله في المركب عشرة أنصاف وأجرته من بولاق إلى مصر ثلاثة أصناف وتكسيره كذلك فيكون مجموع ذلك ستة وأربعين نصفًا وكذلك فعل في أنواع الأخشاب الكرسنة والحديد والرصاص والقصدير وجميع المجلوبات واستمر ينشئ في المراكب الكبار والصغار التي تسرح في النيل من قبلي إلى بحري ومن بحري إلى قبلي ولا يبطل الإنشاء والأعمال والعمل على الدوام وكل ذلك على ذمته ومرمتها وعمارتها ولوازمها وملاحوها بأجرتها على طرفه لا بالضمان كما كان في السابق ولهم قومة ومباشرون متقيدون بذلك الليل والنهار‏.‏
ومنها وهي من الحوادث الغريبة التي لم يتفق في هذه الأعصار مثلها إن في أواخر ربيع الآخر احترق بحر النيل وجف بحر بولاق وكثرت فيه الرمال وعلت فوق بعضها حتى صارت مثل التلول وانحسر الماء حتى كان الناس يمشون إلى قريب أنبابة بمداساتها وكذلك بحر مصر القديمة بقي مخاضًا وفقدت أهل القاهرة الماء الحلو واشتد بالناس العطش بسبب ذلك وبسبب تسخير السقائين ونادى الآغا والوالي على أن يكون حمل القربة للمكان البعيد باثني عشر نصف فضة استهل شهر بشنس القبطي فزد النيل في أوله في ليلة واحدة نحو ذراع ثم كان يزيد في كل يوم وليلة مثل دفعات أواخر أبيب ومسرى وجرى بحر بولاق ومصر القديمة وغطى الرمال وسارت فيه المراكب الكبار منحدرة ومقلعة وغرقت المقافئ مثل البطيخ والخيار والعبد اللاوي وما كان مزروعًا بالسواحل وهو شيء كثير جدًا استمرت الزيادة نحو عشرين يومًا حتى تغير وابيض وكاد يحمر وداخل الناس من ذلك وهم عظيم من هذه الزيادة التي في غير وقتها حتى اعتقدوا أنه يوفي أذرع الوفاء قبل نزول النقطة ولم يعهد مثل ذلك وكان ذلك رحمة من الله بعبيده الفقراء العطاش ثم إني طالعت في تاريخ الحافظ المقريزي المسمى بالسلوك في دول الملوك فذكر مثل هذه النادرة في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ولما ترافدت هذه الزيادات خرج الوالي إلى قنطرة السد وجمع الفعلة للعمل في سد فم الخليج ونادى على نزح الخليج وتنظيفه وكسح أوساخه وقطع أرضه ثم وقفت الزيادة بل نقص قليلًا وزاد في أوان الزيادة على العادة وأوفي أذرعه في أيامه المعتادة ومنها شحة الغلال وخلو السواحل منها فلا يجد الناس إلا ما بقي بأيدي فلاحي الجهات البحرية القريبة فيحملونه على الحمير إلى العرصات والرقع ويبيعونه على الناس كل أردب بأربعة وعشرين قرشًا خلاف المكس والكلف واستقر مكس الأردب الواحد أربعة وثلاثين نصف فضة وأجرته إذا كان من طريق البحر من المنوفية أو نحوها مائة نصف وأقل وأكثر وأجرته من بولاق إلى مصر خمسة وعشرون نصفًا‏.‏
ومنها أنه لما تنظم له ملك بلاد الصعيد ولم يبق له فيه منازع وقلد إمارته لابنه إبراهيم باشا ورسم بأن يضبط جميع أطيان بلاد الصعيد حتى الرزق الأحباسية المرصدة على المساجد والخيرات الكائنة بمصر وغيرها وأوقاف سلاطين مصر المتقدمين وخيراتهم ومساجدهم ومكاتبهم وصهاريجهم ووظائف المدرسين والمقرئين وغير ذلك ففعل ذلك وراك الأراضي بأسرها وشاع أنه جعل على كل فدان من أراضي الرزق والأوقاف ثلاثة ريالات لا غير وعلى باقي فدادين الأطيان ثمانية ريالات خلاف النباري وهو مزارع الذرة فجعل على كل عود من عيدان القطوة سبعة ريالات فرضي أصحاب الرزق والأطيان بهذا التنظيم وظنوا استمراره فإن الكثير من المرتزقة ما كان يحصل له من مزارعي رزقته مقدار ما يحصل له على هذا الحساب‏.‏
ومنها أنه رسم له بالحجر على جميع حصص الالتزام فلم يبق لأربابها شيئًا إلا ما ندر وهو شيء قليل جدًا واحتج في ذلك باستيلاء الأمراء المصريين عليها عندما خرجوا من مصر وأقاموا بالبلاد القبلية فوضعوا أيديهم على ذلك وأنه حاربهم وطردهم وقتلهم وورث ما كان بأيديهم بحق أو باطل وسموه المضبوط وأما ما كان بأيدي أربابه أيام استيلاء المصريين وهم الملتزمون القاطنون بالبلاد القبلية أو بمصر ممن يراعي جانبه فإنه إذا عرض حاله وطلب إذنًا في التصرف وأخبر بأنه كان مفروجًا عنه أيام استيلاء المصريين وأثبت ذلك بالكشف من الروزنامة وغيرها فأما أن يؤذن له في التصرف أو يقال له نعوضك بدلها من البلاد البحرية ويسوف وتتمادى الأيام أو يحيل ذلك على ابنه إبراهيم باشا ويقول أنا لأعلقه في البلاد القبلية والأمر فيها لإبراهيم باشا وإذا ذهب لإبراهيم باشا يقول له أنا أعطيك الغائط فإن رضي أعطاه شيئًا نزرًا ووعده بالإعطاء وإن لم يرض قال له هات لي إذنًا من أفندينا وكل منهما إما مرتحل أو مسافر أو أحدهما حاضر والآخر غائب فيصير صاحب الحاجة كالجملة المعترضة بين الشارط والمشروط وأمثال ذلك كثير‏.‏
ومنها الاستيلاء على جميع مزارع الأرز بالبحر الغربي والشرقي ورقب لهم مباشرين وكتابًا يصرفون عليهم من الكلف والتقاوي والبهائم ويؤخذ ذلك جميعه من حساب الفرض التي قررها على النواحي وعند استغلال الأرز يرفعونها بأيديهم ويسعرونها بما يريدونه ويستوفون المصاريف ومعاليم القومة والمباشرين المعين لهم وإن فضل بعد ذلك شيء أعطوه للمزارع أو أخوه منه وأعطوه ورقة يحاسب بها في المستقبل وفرض على كل دائرة من دوائر الأرز خمسة أكياس في كل سنة خلاف المقرر القديم وعلى كل عود ثلاثة أكياس فإذا كان وقت الحصاد وزنوه شعيرًا على أصحاب الدوائر والمناشر حتى إذا صلح وابيض حسبوا كلفه من أصل المقرر عليهم فإن زاد لهم شيء أعطوهم به ورقة وحاسبوا بها من قابل وأبطل تعامل المزارعين مع التجار الذين كانوا معتادين بالصرف عليهم واستقر الحال إلى أن صار جميعه أصلًا وفرعًا لديوان الباشا ويباع الموجود على ذمته لأهل الأقاليم المتسببين وغيرهم وهو عن كل أردب مائة قرش بل وزيادة وللإفرنج وبلاد الروم والشام بما لا أدري‏.‏
ومنها أنه حصل بين عبد الله آغا بكتاش الترجمان وبين النصراني الدرزي منافسة وهو الذي حضر من جبل الدروز ويسمى الياس واجتمع بمصر على من أوصله إلى الباشا وهو بكتاش وخلافه وعرفوه عن صناعته وأنه يعمل آلات بأسهل مما يصنعه صناع الضربخانة ويوفر على الباشا كذا وكذا من الأموال التي تذهب في الدواليب والكلف وما يأخذه المباشرون من المكاسب لأنفسهم وأفرد له بقعة خاصة به بجانب الضربخانة وأمر بحضور ما يطلبه إليه من الحديد والصناع واستمر على ذلك شهورًا ولما تمم الآلة صنع قروشًا وضربها ناقصة في الوزن والعيار وجعل كتابتها على نسق القروش الرومية ووزن القرش درهمان وربع وفيه من الفضة الخالصة الربع بل أقل والثلاثة أرباع نحاس وكان المرتب في الأموال من النحاس في كل يوم قنطارين فضوعف إلى ستة قناطير حتى غلا سعر النحاس والأواني المتخذة منه فبلغ سعر الرطل النحاس المستعمل مائة وأربعين نصف فضة بعد أن كان سعره في الأزمان السابقة أربعة عشر نصفًا والفراضة سبعة أنصاف أو أقل ثم زاد الطلب للضربخانة إلى عشرة قناطير في كل يوم والمباشر لذلك كله بكتاش أفندي ثم إن بكتاش أفندي المذكور انحرف على ذلك الدرزي وذلك بإغراء المعاير وحصل بينهما مناقشة بين يدي الباشا والمعلم غالي بينهم وانحط الأمر في ذلك المجلس على منع الدرزي من مباشرة العمل ورتب له الباشا أربعة أكياس لمصرفه في كل شهر ومنعوا أيضًا من كان معه من نصارى الشوام من الطلوع الضربخانة واستمر بكتاش أفندي ناظرًا عليها ودقق على أرباب الوظائف والخدم ليأخذ بذلك وجاهة عند مخدومه ثم إن الباشا بعد أيام أمر بنفي الدرزي من مصر وجميع أهله وأولاده وانقضى أمره بعد أن تعلموا تلك الصناعة منه وفي تلك المدة بلغ إيراد الضربخانة لخزينة الباشا في كل شهر ألفًا وخمسمائة كيس وكان الذي يرد منها في زمن المصريين ثلاثين كيسًا في كل شهر أو أقل من ذلك فلما التزم بها السيد محمد المحروقي أوصلها إلى خمسين واستمرت على ابنه السيد محمد كذلك مدة فانتبذ لها محمد أفندي طبل المعروف بناظر المهمات وزاد عليها ثلاثين كيسًا وبقيت تحت نظارة المحروقي بذلك القدر ثم إن الباشا عزل السيد محمد المحروقي عناه وأبقاها على ذمته وقيد خاله في نظارتها ولم يزل الباشا يلعب هذه الملاعيب حتى بلغت هذا المبلغ المستمر وربما تزيد وذلك خلاف الغرامات والمصادرات لأربابها ثم وشى له على عبد الله آغا بكتاش بأنه يزيد في وزن القروش وينقص منه عن القدر المحدود فإذا حسب القدر المنقوص وعمل معدله في مدة نظارته تحصل منه مقدار عظيم من الأكياس فلما نوقش في ذلك قال هذا الأمر يسأل فيه صاحب العيار فأحضروه وأحضروا محمد أفندي ابن إسمعيل أفندي بدفتره وتحاققوا في الحساب فسقط منهم خمسة أكياس لم تدخل الحساب فقالوا أين ذهبت هذه الخمسة أكياس فطفقوا ينظرون إلى بعضهم فقال المورد الحق أن هذه الخمسة أكياس من حساب محمد أفندي ومطلوبة له وتجاوز عنها لفلان اليهودي المورد من مدة سابقة فالتفت الباشا إلى محمد أفندي وقال له لأي شيء تجاوزت لليهودي عن هذا القدر فقال لعلمي أنه خلي ليس عنده شيء فأخذتني الرأفة عليه وتركت مطالبته حتى يحصل له اليسار فقال كيف تنعم بمالي على اليهودي فقال إنه من حسابي فقال ومن أين كان لك ذلك وأمر به فبطحوه وضربوه بالعصي ثم أقاموه وأضافوا الخمسة أكياس على باقي الغرامة المطلوبة منه التي هو متحير في تحصيلها ولو بالاستدانة من الربويين كما قال القائل شكوت جلوس إنسان ثقيل فجاءوني بمن هو منه أثقل فكنت كمن شكا الطاعون يومًا فزاده على الطاعون دمل‏.‏
ومحمد أفندي هذا من وجهاء الناس وخيارهم يفعل به هذه الفعال ثم انحط الحال مع بكتاش أفندي على أن فرض عليه ستمائة كيس يقوم بدفعها فقال ويعفوني أفندينا من نظارة الضربخانة فلم يجبه إلى ذلك واستمر في تلك الخدمة مكرهًا خائفًا من عواقبها‏.‏
ومنها أن الريال الفرانسة بلغ في مصارفته من الفضة العددية إلى مائتين وثمانين نصفًا بل وزيادة خمسة أنصاف فنودي عليه بنقص عشرة وشددوا في ذلك وبعد أيام نودي بنقص عشرة أخرى فخسر الناس حصة من أموالهم ثم إن ذلك القرش الذي يضاف إليه من الفضة ربع درهم ووزن الريال تسعة دراهم فضة فيكون الريال الواحد بما يضاف إليه من النحاس على هذا الحساب ستة وثلاثين قرشًا يخرج منها ثمن الريال ستة قروش ونصف وكلفة الشغل في الجملة قرش أو قرشان يبقى بعد ذلك سبعة وعشرون قرشًا ونصف وهو المكسب في الريال الواحد وهو من جملة سلب الأموال لأن صاحب الريال إذا أراد صرفه أخذ بدله ستة قروش ونصفًا وفيها من الفضة الدرهم ونصف وثمن وهي بدل التسعة دراهم التي هي وزن الريال ثم زيد في الطنبور نغمة وهي الحجر على الفضة العددية فلا يصرفون شيئًا منها للصيارف ولا لغيرهم إلا بالفرط وهو أربعة قروش على كل ألف فيعطي للضربخانة تسعة وعشرون قرشًا زلائط ويأخذ ألف فضة عنها خمسة وعشرون قرشًا ثم زادوا بعد ذلك في الفرط فجعلوه خمسة قروش فيعطي ألفًا ومائتين ويأخذ بدلها ألفًا فانظر إلى هذه الزيادة والرذالة وكذا السفالة‏.‏
ومنها استمرار غلاء الأسعار في كل شيء وخصوصًا في الأقوات التي لا يستغني عنها الغني والفقير في كل وقت بسبب الأحداثات والمكوس التي ترتبت على كل شيء ومنها المأكولات كاللحم والسمن والعسل والسكر وغير ذلك مثل الخضارات وإبطال جميع المذبح خلاف مذبح الحسينية والتزم به المحتسب بمبلغ عظيم مع كفاية لحم الباشا وأكابر دولته بالثمن القليل ويوزع الباقي على الجزارين بالسعر الأعلى الذي يخرج منه ثمن لحوم الدولة من غير ثمن فينزل الجزار بما يكون معه من الغنمة أو الاثنين الجفيط إلى بيت أو عطفة مستورة فتزدحم عليه المتتبعون له والمنتظرون إليه ويقع بينهم من المضاربة والمشاجرة ما لا يوصف وثمن الرطل اثنا عشر نصفًا وقد يزيد على ذلك ولا ينقص عن باثني عشر وكذلك الخضراوات التي كانت تباع جزافًا تباع بأقصى القيمة حتى أن الخس مثلًا الذي كان يباع كل عشرة أعداد بنصف واحد صارت الواحدة تباع بنصف وقس على ذلك باقي الخضراوات وأن الباشا لما وضع يده على الأراضي القريبة وأنشأ السواقي تجاه القصر والبساتين بناحية شبرا وحرث الأراضي الخرس وزرع فيه أنواع الخضراوات وأجرى عليها المياه وقيد لخدمتها المرابعين أيضًا والمزارعين بالمؤاجرة والمباشر على ذلك كله ذو الفقار كتخدا وعندما يبدو صلاح البقول والخضراوات يبيعها المتسببين فيها بأغلى ثمن وهم يبيعونها على الناس بما أحبوا وشاع بين الناس إضافة ذلك إلى الباشا فيقولون كرنب الباشا ولفت الباشا وملوخية الباشا وفجل الباشا وقرنبيط الباشا وزرع أيضًا بستانه من أنواع الزهور العجيبة المنظر المتنوعة الأشكال من الأحمر والأصفر والأزرق والملون أتوا بنقائها من بلاد الروم فنتجت وأفلحت وليس لها إلا حسن المنظر فقط ولا رائحة لها أصلًا‏.‏
ومنها إن ديوانا المكس ببولاق الذي يعبرون عنه الكمرك لم يزل يتزايد فيه المتزايدون حتى أوصلوه إلى ألف وخمسمائة كيس في السنة وكان في زمن المصريين يؤدي من يلتزمه ثلاثين كيسًا مع محاباة الكثير من الناس والعفو عن كثير من البضائع لمن ينسب إلى الأمراء وأصحاب الوجاهة من أهل العلم وغيرهم فلا يتعرضون له ولو تحامى في بعض أتباعهم ولو بالكذب ويعاملون غيرهم بالرفق مع التجاوز الكثير ولا ينبشون المتاع ولا رباط الشيء المحزوم بل على الصندوق و المحزوم قدر يسير معلوم فلما ارتفع أمره إلى هذه المقادير صاروا لا يعفون عن شيء مطلقًا ولا يسامحون أحدًا ولو كان عظيمًا من العلماء أو غيرهم وكان من عادة التجار إذا بعثوا إلى شركائهم محزومًا من الأقمشة الرخيصة مثل العاتكي والنابلسي جعلوا بداخل طيها أشياء من الأقمشة الغالية في الثمن المقصبات الحلبي والكشميري والهندي ونحو ذلك فتتدرج معها في قلة الكمرك وفي هذا الأوان يحلون رباط المحزوم ويفتحون الصناديق وينبشون المتاع ويهتكون ستره ويحصون عدده ويأخذون عشرة أي من كل عشرة واحدًا أو ثمنه كما يبيعه التاجر غاليًا أو رخيصًا حتى البوابيج والأخفاف والمسوت التي تجلب من الروم يفتحون صناديقها ويعدونها بالواحد ويأخذون عشورها عينًا أو ثمنًا ويفعل ذلك أيضًا متولي كمرك الإسكندرية ودمياط وإسلامبول والشام فبذلك غلت أسعار البضائع من كل شيء لفحش هذه الأمور وخصوصًا في الأقمشة الشامية والحلبية والرومية المنسوجة من القطن والحرير والصوف فإن عليها بمفردها مكوسًا فاحشة قبل نسجها وكان الدرهم الحرير في السابق بنصف فضة فصار الآن بخمسة عشر نصفًا وما يضاف إليه من الأصباغ وكلف الصناع والمكوس المذكورة فبذلك بلغ الغاية من غلو الثمن فيباع الثوب الواحد من القماش الشامي المسمى بالألاجة الذي كانت قيمته في السابق مائتي نصف فضة بألفين فضة مع ما يضاف إليه من ربح البائع وطمع التاجر والنعل الرومي الذي كان يباع بستين نصفًا يباع بأربعمائة نصف والذراع الواحد من الجوخ الذي كان يباع بمائة نصف فضة بلغ في الثمن إلى ألف نصف فضة وهكذا مما يستقصى تتبعه ولا تستقصى مفرداته ويتولى هذه الكمارك كل من تزايد فيها من أي ملة كان من نصارى القبط أو الشوام والأروام ومن يدعي الإسلام وهم الأقل في الأشياء المدون والمتولي الآن في ديوان كورك بولاق شخص نصراني رومي يسمى كرابيت من طرف طاهر باشا لأنه مختص بإيراده وأعوان كرابيت من جنسه وعنده قواسة أتراك يحجزون متاع الناس ويقبضون على المسلمين ويسجنونهم ويضربونهم حتى يدفعوا ما عليهم وإذا عثروا بشخص أخفى عنهم شيئاُ حبسوه وضربوه وسبوه ونكلوا به وألزموه بغرامة مجازاة لفعله والعجب أن بضائع المسلمين يؤخذ عشرها يعني من العشرة واحد وبضائع الإفرنج والنصارى ومن ينتسب إليهم يؤخذ عليها من المائة اثنان ونصف وكذلك أحدث عدة أشياء واحتكارات في كثير من البضائع مثل السكر الذي يأتي من ناحية الصعيد وزيادات في المكوس القديمة خلاف المحدثات وذلك أن من كان بطالًا أو كاسد الصنعة أو قليل الكسب أو خامل الذكر فيعمل فكرته في شيء مهمل عنه ويسعى إلى الحضرة بواسطة المتقربين أو بعرضحال يقول فيه أن الداعي للحضرة يطلب الالتزام بالصنف الفلاني ويقول للخزينة العامرة بكذا من الأكياس في كل سنة فإذا فعل تنبه المشار إليه فيعد بالإنجاز ويؤخر أيامًا فتتسامع المتكالبون على أمثال ذلك فيزيدون على الطالب حتى تستقر الزيادة على شخص أما هو وخلافه ويقيد اسمه بدفتر الروزنامة ويفعل بعد ذلك الملتزم ما يريده وما يقرره على ذلك الصنف ويتخذ له أعوانًا وخدمة وأتباعًا يتولون استخلاص المقررات ويجعلون لأنفسهم أقدار خارجة عن الذي يأخذه كبيرهم والذي تولى كبر ذلك وفتح بابه نصارى الأروام والأرمن فترأسوا بذلك وعلت أسافلهم ولبسوا الملابس الفاخرة وركبوا البغال والرهوانات وأخذوا بيوت الأعيان التي بمصر القديمة وعمروها وزخرفوها وعملوا فيها بساتين وجنائن وذلك خلاف البيوت التي لهم بداخل المدينة ويركب الواحد منهم وحوله وأمامه عدة من الخدم والقواسة يطردون الناس من أماه وخلفه ولم يدعو شيئًا خارجًا عن المكس حتى الفحم الذي يجلب من الصعيد والحطب السنط والرتم وحطب الذرة الذي كان يباع منه كل مائة حزمة بمائة نصف فلما احتكروه صار يباع كل مائة حزمة بألف ومائتي نصف وبسبب ذلك تشحطت أشياء كثيرة وغلت أثمانها مثل الجبس والجبر وكل ما كان يحتاج للوقود حتى الخبازين في الأفران فإننا أدركنا الأردب من الجبس بثمانية عشر نصف فضة والآن بمائتين وأربعين نصفًا وكذلك أدركنا القنطار من الجير بعشرة أنصاف والآن بمائة وعشرين والحال في الزيادة‏.‏
ومنها أن الباشا شرع في عمارة قصر العيني وكان قد تلاشى وخربته العسكر وأخذت أخشابه ولم يبق فيه إلا الجدران فشرع في إنشائه وتعميره وتجديده على هذه الصورة التي هو عليها الآن في وضع الأبنية الرومية‏.‏
ومنها أنه هدم سراية القلعة وما اشتملت عليه من الأماكن فهدم المجالس التي كانت بها والدواوين وديوان قايتباي وهو المقعد المواجه للداخل إلى الحوش علو الكلار الذي به الأعمدة وديوان الغوري الكبير وما اشتمل عليه من المجالس التي كانت تجلس بها الأفندية والقلفاوات أيام الدواوين وشرع في بنائها على وضع آخر واصطلاح رومي وأقاموا أكثر الأبنية من الأخشاب ويبنون الأعالي قبل بناء السفل وأشيع أنهم وجدوا مخبأت بها ذخائر الملوك مصر الأقدمين‏.‏
ومنها أن الباشا أرسل لقطع الأشجار المحتاج إليها في عمل المراكب مثل التوت والنبق من جميع البلاد القبلية والبحرية فانبث المعينون لذلك في البلاد فلم يبقوا من ذلك إلا القليل لمصانعة أصحابه بالرشا والبراطيل حتى يتركوا لهم ما يتركون فيجتمع بترسخانة الأخشاب لصناعة المراكب مع ما ينضم إليها من الأخشاب الرومية شيء عظيم جدًا يتعجب منه الناظر من كثرته وكلما نقص منه شيء في العمل اجتمع خلافه أكثر منه‏.‏

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 04:49 PM   #132
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تااااااااااااابع

ومنها أن أحمد آغا أخا كتخدا بك لما تقلد وكالة دار السعادة ونظارة الحرمين انضم إليه أباليس الكتبة لتحرير الإيراد والمصرف وحصروا الأحكار المقررة على الأماكن والأطيان التي أجرها النظار السابقون المداد الطويلة وجعلوا عليها قدرًا من المال يقبض في كل سنة لجهة وقف أصله على عادة مصر السابقة واللاحقة في استئجار الأوقاف من نظارها والأطيان والأماكن المستأجرة من أوقاف الحرمين وتوابعها كالدشيشة والخاصكية والمحمدية والمرادية وغير ذلك جدًا ففتحوا هذا الباب وتسلطوا على الناس في طلب ما بأيديهم من السندات وحجج التأجرات فإذا اطلعوا عليها فلا يخلو غما أن تكون المدة قد انقضت ومضت أو بقي منها بقية من السنين فإذا كان بقي منها زادوا في الأجرة المؤجلة التي هي الحكر مثلها أو مثليها بحسب حال المحل ورواجه وإن كانت المدة قد انقضت ومضت واستولوا على حين المحل وضبطوه وجددوا له تأجرًا وزادوا في حكره ويكون ذلك لمصلحة جسيمة وعلى كلتا الحالين لا بد من التغريم والمصالحات الجوانية والبرانية للكتاب والمباشرين والخدم والمعينين ثم المرافعة إلى القاضي ودفع المحاصيل والرسوم والتسجيل وكتابة السندات التي يأخذها واضع اليد‏.‏

ومنها التحجير على الأجراء والمعمرين المستعملين في الأبنية والعمائر مثل البنائين والنجارين والنشارين والخراطين وإلزامهم في عمائر الدولة بمصر وغيرها بالإجارة والتسخير واختفى الكثير منهم وأبطل صناعته وأغلق من له حانوت حانوته فيطلبه كبير حرفته الملزم بإحضاره عند معمار باشا فإما أنه يلازم الشغل أو يفتدي نفسه أو يقين بدلًا عنه ويدفع له الأجرة من عنده فترك الكثير صناعته وأغلق حانوته وتكسب بحرفة أخرى فتعطل بذلك احتياجات الناس في التعمير والبناء بحيث أن من أراد أن يبني له كانونا أو مزودًا لدابته تحير في أمره وأقام أيامًا في تحصيل البناء وما يحتاجه من الطين والجبر والقصرمل وكان الباشا اشترى ألف حمار وعملوا لها مزابل وأعدوا لنقل أتربة عمائره وشيل القصرمل من مستوقدات الحمامات بالمدينة وبولاق ونودي في المدينة بمنع الناس كافة عن أخذ شيء من القصرمل فكان الذي تلزمه الضرورة لشيء منه إن كان قليلًا أخذه كالسرقة في الليل من المستوقد بأغلى ثمن وإن كان كثيرًا لا يأخذه إلا بفرمان بالإذن من كتخدا بك بعد أن كان شيئًا مبتذلًا وليس له قيمة ينقلونه إذا كثر في المستوقدات إلى الكيمان بالأجرة وإن احتاجه الناس في أبنيتهم إما نقلوه على حميرهم أو نقله خدمة المشتوفد بأجرتهم كل فردين بنصف وأقل وأزيد ونحو ذلك كما إذا أضاع إنسان مفتاح خشب لا يجد نجارًا يصنع له مفتاحًا آخر إلا خفية ويطلب ثمنه خمسة عشر نصف فضة وكان من عادة المفتاح نصف فضة إن كان كبيرًا أو نصف إن كان صغيرًا‏.‏
ومنها أن الذي التزم بعمل البارود قرر على نفسه مائتي كيس واحتكر جميع لوازمه مثل الفحم وحطب الترمس والذرة والكبريت فقرر على كل صنف من ذلك قدرًا من الأكياس وأبطل الذين كانوا يعملون في السباخ بالكيمان ويستخرجون منه ملح البارود ثم يؤخذ منهم عبيطًا إلى المعمل فيكررونه حتى يخرج ملحًا أبيض يصلح للعمل وهي صناعة قذرة ممتهنة فأبطلهم منها وبنى أحواضًا بدلًا عن الصناديق وجعلها متسعة وطلاها بالخافقي وعمل ساقية وأجرى الماء منها إلى تلك الأحواض وأوقف العمال لذلك بالأجرة يعملون في السباخ المذكور‏.‏
ومنها شحة الحطب الرومي في هذه السنة وإذا ورد منه شيء حجزه الباشا لاحتياجاته فلا يرى الناس منه شيئًا فكان الحطابة يبيعون بدله خشب الأشجار المقطوعة من القطر المصري وأفضلها السنط فيباع منه الحملة بثلثمائة نصف فضة وأجرة حملها عشرة وتكسيرها عشرة وعز وجود الفحم أيضًا حتى بيعت الأقة بعشرين نصفًا وذلك لانقطاع الجالب إلا ما يأتي قليلًا من ناحية الصعيد مع العسكر يتسببون فيه ويبيعونه بأغلى ثمن كل حصيرة باثني عشر قرشًا وهي دون القنطار وكانت تباع في السابق بستين نصفًا وهي قرش ونصف غير ذلك أمور وأحداثات وابتداعات لا يمكن استقصاؤها ولم يصل إلينا خبرها إذ لا يصل إلينا إلا ما تعلقت به اللوازم والاحتياجات الكلية وقد يستدل بالبعض على الكل وأما من مات في هذه السنة ممن له ذكر فمات الشيخ الإمام العلامة والتحرير الفهامة الفقيه الأصولي النحوي شيخ الإسلام والمسلمين الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشافعي الأزهري الشهير بالشرقاوي شيخ الجامع الأزهر ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس بالقرب من القرين في حدود الخمسين بعد المائة وتربى القرين فلما ترعرع وحفظ القرآن قدم إلى الجامع الأزهر وسمع الكثير من الشهايين الملوي والجوهري والحنفي وأخيه يوسف والدومنهوري والبليدي وعطية الأجهوري ومحمد الفارسي وعلي المنسفيسي الشهير بالصعيدي وعمر الطحلاوي وسمع الموطا فقط على علي بن العربي الشهير بالسقاط وبآخره تلقن بالسلوك والطريقة على شيخنا الشيخ محمود الكردي ولازمه وحضر معنا في أذكاره وجمعياته ودرس الدروس بالجامع الأزهر وبمدرسة السنانية بالصنادقية وبرواق الجبرت والطيبرسية وأفتى في مذهبه متميز في الإلقاء والتحرير وله مؤلفات دالة على سعة فضله من ذلك حاشيته على التحرير وشرح نظم يحي العمريطي وشرح العقائد المشرقية والمتن له أيضًا وشرح مختصر في العقائد والفقه والتصوف مشهور في بلاد داغستان وشرح رسالة عبد الفتاح العادلي في العقائد ومختصر الشمائل وشرحه له ورسالة في لا إله إلا الله ورسالة في مسألة أصولية في جمع الجوامع وشرح الحكم والوصايا الكردية في التصوف وشرح ورد سحر للبكري ومختصر المغني في النحو وغير ذلك ولما أراد السلوك في طريق الخلوتية ولقنه الشيخ الحنفي الاسم الأول حصل له وله واختلال في عقله ومكث بالمارستان أيامًا ثم شفي ولازم الأقراء والإفادة ثم تلقن من شيخنا الشيخ محمود الكردي وقطع الأسماء عليه وألبسه التاج وواظب على مجالسته وكان في قلة من خشونة العيش وضيق المعيشة فلا يطبخ في داره إلا نادرًا وبعض معارفه يواسونه ويرسلون إليه الصفحة من الطعام أو يدعونه ليأكل معهم ولما عرفه الناس واشتهر ذكره فواصله بعض تجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا والصلات فراج حاله وتجمل بالملابس وكبر تاجه ولما توفي الشيخ الكردي كان المترجم من جملة خلفائه وضم إليه أشخاصًا من الطلبة والمجاورين الذين يحضرون في درسه يأتون إليه كل ليلة عشاء يذكرون معه ويعمل لهم في بعض الأحيان ثريدًا ويذهب بهم إلى بعض البيوت في مياتم الموتى وليالي السبح والجمع المعتادة ومعهم منشدون ومولهون ومن يقرأ الأعشار عند ختم المجلس فيأكلون العشاء ويسهرون حصة من الليل في الذكر والإنشاد والتوله وينادون في إنشادهم بقولهم يا بكري مدد يا حنفي مدد يا شرقاوي مدد ثم يأتون إليهم بالطاري وهو الطعام بعد انقضاء المجلس ثم يعطونهم أيضًا دراهم ثم اشترى له دار بحارة كتامة المسماة بالعينية وساعده في ثمنها بعض من يعاشره من المياسير وترك الذهاب إلى البيوت إلا في النادر واستمر على حالته حتى مات الشيخ أحمد العروسي فتولى بعده مشيخة الجامع الأزهر فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى كان يضرب بعظمتها المثل وكانت تعارضت فيه وفي الشيخ مصطفى الصاوي ثم حصل الاتفاق على المترجم وأن الشيخ الصاوي يستمر في وظيفة التدريس بالمدرسة الصلاحية المجاورة لضريح الإمام الشافعي بعد صلاة العصر وهي من وظائف مشيخة الجامع ولما تولاها الشيخ العروسي تعدى على الوظيفة المذكورة الشيخ محمد المصيلحي الضرير وكان يرى في نفسه أنه أحق بالمشيخة من العروسي فلم ينازعه فيها حسمًا للشر فلما مات المصيلحي تنزه عنها العروسي وأجلس فيها الصاوي وحضر درسه في أول ابتدائه لكونه من خواص تلامذته فلما مات العروسي وتولى المترجم المشيخة اتفقوا على بقاء الصاوي في الوظيفة ومضى على ذلك أشهر ثم أن المجتمعين على الشرقاوي وسوسوا له وحضروه على أخذ الوظيفة وأن مشيخته لا تتم إلا بها وكان مطواعًا فكلم بذلك الشيخ محمد ابن الجوهري وأيوب بك الدفتردار ووافقاه على ذلك واغتر بهما وذهب بجماعته ومن انضم إليهم وهم كثيرون وقرأ بها درسًا فلم يحتمل الصاوي ذلك وتشاور مع ذوي الرأي من رفقائه كالشيخ بدوي الهيتمي وأضرا به فبيتوا أمرهم وذهب الشيخ مصطفى إلى رضوان كتخدا إبراهيم بك الكبير وله به صداقة ومعاملة ومقارضة فسامحه في مبلغ كان عليه له فعند ذلك اهتم رضوان كتخدا المذكور وحضر عند الشرقاوي وتكلم معه وأفحمه ثم اجتمعوا في ثاني يوم ببيت الشرقاوي وحضر الصاوي وعزوته وباقي الجماعة فقال الشرقاوي اشهدوا يا جماعة أن هذه الوظيفة استحقاقي وأنا نزلت عنها إلى الشيخ مصطفى الصاوي فقال له الصاوي ارجع أما الآن فلا ولا جميلة لك الآن في ذلك وباكته بكلام كثير وبإنفاذه لرأي من حوله وغير ذلك وانفض المجلس على منعه من الوظيفة واستمرار الصاوي فيها إلى أن مات فعادت إلى المترجم عند ذلك من غير منازع فواظب الإقراء فيها مدة وطالب سدنة الضريح بمعلومها فماطلوه فتشاجر معهم وسبهم فشكوه للمعاضدين لهم وهم أهل المكايد من الفقهاء وغيرهم وتعصبوا عليه وأنهوا إلى الباشا وضموا إلى ذلك أشياء حتى أغروا عليه صدره واتفقوا على عزله من المشيخة ثم انحط الأمر على أن يلزم داره ولا يخرج منها ولا يتداخل في شيء من الأشياء فكان ذلك أيامًا ثم عفا عنه الباشا بشفاعة القاضي فركب وقابله ولكن لم يعد إلى القراءة في الوظيفة بل استناب فيها بعض الفقهاء وهو الشيخ محمد الشبراويني ولما حضرت الفرنساوية إلى مصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف ورتبوا ديوانًا لإجراء الأحكام بين المسلمين جعلوا المترجم رئيس الديوان وانتفع في أيامهم بما يتحصل إليه من المعلوم المرتب له عن ذلك وقضايا وشفاعات لبعض الأجناد المصرية وجعالات على ذلك واستيلاء على تركات ودائع خرجت أربابها في حادثة الفرنساوية وهلكوا واتسعت عليه الدنيا وزاد طمعه فيها واشترى دار ابن بيرة بظاهر الأزهر وهي دار واسعة من مساكن الأمراء الأقدمين وزوجته بنت الشيخ علي الزغفراني هي التي تدبر أمره وتحرز كل ما يأتيه ويجمعه ولا يروح ولا يغدو إلا عن أمرها ومشورتها وهي أم سيدي علي الموجود الآن وكانت قبل زواجه بها في قلة من العيش فلما كثرت عليه الدنيا اشترت الأملاك والعقار والحمامات والحوانيت بما يغل إيراده مبلغًا في كل شهر له صورة وعمل مهمًا لزواج ابنه المذكور في أيام محمد باشا خسرو سنة سبع عشرة ومائتين وألف ودعا إليه الباشا وأعيان الوقت فاجتمع إليه شيء كثير من الهدايا ولما حضر إليه الباشا أنعم على ابنه بأربعة أكياس عنها ثمانون ألف درهم وذلك خلاف البقاشيش واتفق للمترجم في أيام الأمراء المصرية أن طائفة المجاورين بالأزهر من الشرقاويين يقطنون بمدرسة الطيبرسية بباب الأزهر وعمل لهم المترجم خزائن برواق معمر فوقع بينهم وبين المجاورين بها مشاجرة فضربوا نقيب الرواق فتعصب لهم الشيخ إبراهيم السجيني شيخ الرواق على الشرقاويين ومنعوهم من الطيبرسية وخزائنها وقهروا المترجم وطائفته فتوسط بامرأة عمياء فقيهة تحضر عنده في درسه إلى عديلة هانم ابنة إبراهيم بك فكلمت زوجها إبراهيم بك المعروف بالوالي بأن يبني له مكانًا خاصًا بطائفته فأجابه إلى ذلك وأخذ سكنًا أمام الجامع المجاور لمدرسة الجوهرية من غير ثمن وأضاف إليه قطعة أخرى وأنشأ ذلك رواقًا خاصًا بهم ونقل إليه الأحجار والعامود والرخام الذي بوسطه من جامع الملك الظاهر بيبرس خارج الحسينية وهو تحت نظر الشيخ إبراهيم السجيني ليكون ذلك نكاية له نظير تعصبه عليه وعمل به قوائم وخزائن واشترى له غلال من جريات السون وأضافها إلى أخباز الجامع وأدخلها ففي دفتره يستلمها خباز الجامع ويصرفها خبز قرصة لأهل ذلك الرواق في كل يوم ووزعها على الأنفار الذين اختارهم من أهل بلاده ومما اتفق للمترجم أن بخارج باب البرقية خانكاه أنشأتها خوند طغاي الناصرية بالصحراء على يمنة السالك إلى وهدة الجبانة المعروفة الآن بالبستان وكان الناظر عليها شخص من شهود المحكمة يقال له ابن الشاهيني فلما مات تقرر في نظيرها المترجم واستولى على جهات إيرادها فلما ولج الفرنساوية أراضي مصر وأحدثوا القلاع فوق التلول والأماكن المستعلية حوالي المدينة هدموا منارة هذه الخانكاه وبعض الحوائط الشمالية وتركوها على ذلك فلما ارتحلوا عن أرض مصر بقيت على وضعها في التخرب وكانت ساقيتها تجاه بابها في علوة يصعد إليها بمزلقان ويجري الماء منها إلى الخانكاه على حائط مبني وبه قنطرة يمر من تحتها المارون وتحت الساقية حوض لسقي الدواب وقد أدركنا ذلك وشاهدنا دوران الثور في الساقية ثم أن المترجم أبطل تلك الساقية وبنى مكانها زاوية وعمل لنفسه بها مدفنًا وعقد عليه قبة وجعل تحتها مقصورة بداخلها تابوت عال مربع وعلى أركانه عساكر فضة وبنى بجانبها قصرًا ملاصقًا لها يحتوي على أروقة ومساكن ومطبخ وكلار وذهبت الساقية في ضمن ذلك وجعلها بئر وعليه خرزة يملؤن منها بالدلو ونسيت تلك الساقية وانطمست معالمها وكأنها لم تكن وقد ذكر هذه الخانكاه العلامة المقريزي في خططه عند ذكر الخوانك لا بأس بإيراد ما نصه للمناسبة فقال خانكاه أم أنوك هذه الخانكا خارج باب البرقية بالصحراء أنشأتها الخاتون طغاي تجاه تربة الأمير طاشتمر الساقي فجاءت من أجل المباني وجعلت بها صوفية وقراء ووقفت عليها الأوقاف الكثيرة وقررت لكل جارية من جواريها مرتبًا يقوم بها ثم ترجمها بقوله طغاي الخوندة الكبرى زوج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وأم ابنه الأمير أنوك كانت من جملة أمائه فأعتقها وتزوجها ويقال أنها أخت الأمير آفبغا عبد الواحد وكانت بديعة الحسن باهرة الجمال من السعادة ما لم يره غيرها من نساء ملوك الترك بمصر وتنعمت في ملاذ ما وصل سواها لمثلها ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها وصارت خوندة بعد ابنه توكاي أكبر نسائه حتى من ابنة الأمير تنكز وحج بها القاضي كريم الدين الكبير واحتفل بأمرها وحمل لها البقول في محاير طين على ظهور الجمال وأخذ لها الأبقار الحلابة فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطري والجبن وكان يقلي لها الجبن في الغداء والعشاء وناهيك بمن وصل إلى مداومة البقل والجبن واللبن في كل يوم بطريق الحج فما عساه يكون بعد ذلك وكان القاضي كريم الدين وأمير مجلس وعدة من الأمراء يترجلون عند النزول ويسيرون بين يدي محفتها ويقبلون الأرض لها كما يفعلون بالسلطان ثم حج بها الأمير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وكان الأمير تنكز إذا جهز من دمشق تقدمة للسلطان لا بلد أن يكون لخوند طغاي منها جزء وافر فلما مات السلطان الملك الناصر استمرت عظمتها من بعده إلى أن ماتت في شهر شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة أيام الوباء عن ألف جارية وثمانين خصيًا وأموال كثيرة جدًا وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قراء ووقفت على ذلك وقفا وجعلت من جملته خبزًا يفرق على الفقراء ودفنت بهذه الخانكاه وهي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا انتهى كلامه‏.‏
يقول الحقير أني دخلت هذه الخانكاه في أواخر القرن الماضي فوجدت بها روحانية لطيفة وبها مساكن وسكان قاطنون بها وفيهم أصحاب الوظائف مثل المؤذن والوقاد والكناس والملاء ودخلت إلى مدفن الوقفة وعلى قبرها تركيبة مكن الرخام الأبيض وعند رأسها ختمة شريفة كبيرة على كرسي بخط جليل وهي مذهبة وعليها اسم الواقفة رحمها الله تعالى فلو أن الشيخ المترجم عمر هذه الخانكاه بدل هذا الذي ارتكبه من تخريبها لكان له بذلك منقبه وذكر حسن في حياته وبعد مماته وبالله التوفيق وللمترجم طبقات جمعها في تراجم الفقهاء الشافعية المتقدمين والمتأخرين من أهل عصره ومن قبلهم من أهل القرن الثاني عشر نقل تراجم المتقدمين من طبقات السبكي والأسنوي وأما التاخرون فنقلهم من تاريخنا هذا بالحرف الواحد وأظن أن ذلك آخر تأليفاته وعمل تاريخنا قبله مختصرًا في نحو أربعة كراريس عند قدوم الوزير يوسف باشا إلى مصر وخروج الفرنساوية منها وأهداه عدد فيه ملوك مصر وذكر في آخره خروج الفرنسيس ودخول العثمانية في نحو ورقتين وهو في غاية البرود وغلط فيه غلطات منها أنه ذكر الأشرف شعبان ابن الأمير حسين بن الناصر محمد بن قلاوون فجعله ابن السلطان حسن ونحو ذلك ولم يزل المترجم حتى تعلل ومات في يوم الخميس ثاني شهر شوال من السنة وصلى عليه بالأزهر في جمع كثير ودفن بمدفنه الذي بناه لنفسه كما ذكر ووضعوا على تابوته المذكور عمامة كبيرة أكبر من طبيزيته التي كان يلبسها في حياته بكثير وعمومًا بشاش أخضر وعصبوها بشال كشميري أحمر ووقف شخص عند باب مقصورته وبيده مقرعة يدعو الناس لزيارته ويأخذ منهم دراهم ثم أن زوجته وابنها ومن يلوذ بهم ابتدعوا له مولدًا وعيدًا في أيام مولد العفيفي وكتبوا بذلك فرمانًا من الباشا ونادى به تابع الشرطة بأسواق المدينة على الناس بالاجتماع والحضور لذلك المولد وكتبوا أوراقًا ورسائل للأعيان وأصحاب المظاهر وغيرهم بالحضور وذبحوا ذبائح وأحضروا طباخين وفراشين مدوا أسمطة بها أنواع الأطعمة والحلاوات والمحمرات والخشافات لمن حضر من الفقهاء والمشايخ والأعيان وأرباب الأشاير والبدع ونصبو قبالة تلك القبة صواري علقوا بها قناديل وبيارق وشراريب حمرًا وصفرًا يلوحها الريح واجتمع حول ذلك من غوغاء الناس وعملوا قهاوي وبياعين الحلو والمخللات والترمس المملح والفول المقلي ودهسوا ما بتلك البقعة من قبور الأموات وأوقدوا بها النيران وصبوا عليها القاذورات مع ما يلحقهم من البول والغائط وأما ضجة الأوباش والأولاد وصراخهم وفرقعتهم بالبارود وصياحهم وضجيجهم فقد شاهدنا به ما كنا نسمعه من عفاريت الترب وضرب المثل بهم فهم أقبح منهم فإن العفاريت الحقيقية لم نر لهم أفعالًا مثل هذه‏.‏
ولما مات الشيخ المترجم ومضى على موته ثلاثة أيام اجتمع المشايخ في يوم الأحد خامسه وطلعوا إلى القلعة ودخلوا إلى الباشا وذكروا له موت المترجم ويستأذنونه فيمن يجعلونه شيخًا على الأزهر فقال لهم الباشا اعملوا رأيكم واختاروا شخصًا يكون خاليًا من الأغراض وأنا أقلده ذلك فقاموا من مجلسه ونزلوا إلى بيوتهم واختلفت آراؤهم فالبعض اختار الشيخ المهدي والبعض ذكر الشيخ محمد الشنواني وأما الشيخ محمد الأمير فإنه امتنع من ذلك وكذلك ابن الشيخ العروسي والشيخ الشنواني المذكور منعزل عنهم وليس له درس بالأزهر ويقرأ دروسه بجامع الفاكهاني الذي في العقادين وبيده وظائف خدم الجامع وعند فراغه من الدروس يغير ثيابه ويكنس المسجد ويغسل القناديل ويعمرها بالزيت والفتائل حتى يكنس المراحيض فلما بلغه أنهم ذكروه تغيب ثم أن الباشا أمر القاضي وهو بهجة أفندي بأن يجمع المشايخ عنده ويتفقوا على شخص يجتمع رأيهم عليه بالشرط المذكور فأرسل إليهم القاضي وجمعهم وذلك في يوم الثلاثاء سابعه وحضر فقهاء الشافعية مثل القويسني والفضالي وكثير من المجاورين والشوام والمغاربة فسأل القاضي هل بقي أحد فقالوا لم يكن أحد غائبًا عن الحضور إلا ابن العروسي والهيثمي والشنواني فأرسلوا إليهم فحضر العروسي والهيثمي فقال وأين الشنواني فلا بد من حضوره فأرسلوا رسولًا فغاب ورجع وبيده ورقة ويقول الرسول أنه له ثلاثة أيام غائبًا عن داره وترك هذه الورقة عند أهله وقال إن طلبوني أعطوهم هذه الورقة فأخذها القاضي وقرأها جهارًا يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم لحضرة شيخ الإسلام أننا نزلنا عن المشيخة للشيخ بدوي الهيثمي إلى آخر ما قال فعندما سمع الحاضرون ذلك القول قاموا قومة وأكثرهم طائفة الشوام وقال بعضهم هو لم يثبت له مشيخة حتى أنه نزل عنها لغيره وقال كبارهم من المدرسين لا يكون شيخًا إلا من يدرس العلوم ويفيد الطلبة وزادوا في اللغط فقال القاضي ومن الذي ترضونه فقالوا نرضى الشيخ المهدي وكذلك قال البقية وقاموا وصافحوه وقرأوا الفاتحة وكتب القاضي إعلامًا إلى الباشا بما حصل وانفض الجمع وركب الشيخ المهدي إلى بيته في كبكبة وحوله وخلفه المشايخ وطوائف المجاورين وشربوا الشربات وأقبلت عليه الناس للتهنئة وانتظر جواب الإعلام بقية ذلك اليوم فلم يأت الجواب ومضى اليوم الثاني والمدبرون يدبرون شغلهم وأحضروا الشيخ الشنواني من المكان الذي كان متغيبًا فيه بمصر القديمة وتمموا شغلهم وأحضروا السيد منصور اليافاوي المنفصل عن مشيخة الشوام ليلًا ليعيدوه إلى مشيخة الشوام ويمنعوا الشيخ قاسمًا المتولي فعاله ولطائفته الذين تطاولوا في مجلس القاضي بالكلام وجمعوا بقية المشايخ آخر الليل وركبوا في الصباح إلى القلعة فقابلوا الباشا فخلع على الشيخ محمد الشنواني فروة سمور وجعله شيخًا على الأزهر وكذلك على السيد منصور اليافاوي ليكون شيخًا على رواق الشوام كما كان في السابق ثم نزلوا وركبوا وصحبتهم آغات الينكجرية بهيئة الموكب وعلى رأسه المجوزة الكبيرة وأمامه الملازمون بالبراقع والريش على رؤوسهم وما زالوا سائرين حتى دخلوا حارة خوشقدم فنزلوا بدار ابن الزليجي لأن دار ذات الشيخ الشنواني صغيرة وضيقة لا تسع ذلك الجمع والذي أنزله في ذلك المنزل السيد محمد المحروقي وقام له بجميع الاحتياجات وأرسل من الليل الطباخين والفراشين والأغنام والأرز والحطب والسمن والعسل والسكر والقهوة وأوقف عبيده وخدمه لخدمة القادمين للسلام والتهنئة ومناولة القهوة والشربات والبخور وماء الورد وازدحمت الناس عليه وأتوا أفواجًا إليه وكان ذلك يوم الثلاثاء رابع عشره ووصل الخبر إلى الشيخ المهدي ومن معه وحصل لهم كسوف وبطلت مشيخته ولما كان يوم الجمعة حضر الشيخ الجديد إلى الأزهر وصلى الجمعة وحضر باقي المشايخ وعملوا الختم للشيخ الشرقاوي وحصل ازدحام عظيم خصوصًا للتفرج على الشيخ الجديد وكأنه لم يكن طول دهره بينهم ولا يلتفتون إليه وبعد فراغ الختم أنشد المنشد قصيدة يرثي بها المتوفي من نظم الشيخ عبد الله العدوي المعروف بالقاضي وانفض الجميع‏.‏ ومات

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
الأستاذ المكرم بقية السلف الصالحين ونتيجة الخلف المعتقد الشيخ محمد

المكني أبا السعود بن الشيخ محمد جلال بن الشيخ محمد أفندي المكني بأبي المكارم بن السيد عبد المنعم بن السيد محمد المكني بأبي السرور صاحب الترجمة بن السيد القطب الملقب بأبي السرور البكري الصديقي العمري من جهة الأم تولى خلافة سجادتهم في سنة سبع عشرة ومائتين وألف عندما عزل ابن عمه السيد خليل البكري ولم تكن الخلافة في فرعهم بل كانت في أولاد الشيخ أحمد بن عبد المنعم وآخرهم السيد خليل المذكور فلما حضرت العثمانية إلى مصر واستقر في ولايتها محمد باشا خسروا سعى في السيد خليل الكارهون له وأنهوا إليه فيه ورموه بالقبائح ومنها تداخله في الفرنسيس وامتزاجه بهم وعزلوه من نقابة الأشراف وردت للسيد عمر مكرم ولم يكتفوا بذلك وذكروا أنه لا يصلح لخلافة البكرية فقال الباشا وهل موجود في أولادهم خلافة قالوا نعم وذكروا المترجم فيمن ذكروه وأنه قد طعن في السن وفقير من المال فقال الباشا الفقر لا ينفي النسب وأمر له بفرس وسرج وعباءة كعادة مركوبهم فأحضروه وألبسوه التاج والفرجية وخلع عليه الباشا فروة سمور وأنعم عليه بخمسة أكياس وأن يأخذ له فائظًا في بعض الإقطاعات ويعفى من الحلوان وسكن بدار جهة باب الخرق وراج أمره واشتهر ذكره من حينئذ وسار سيرًا حسنًا مقرونًا بالكمال جاريًا على نسق نظامهم بحسب الحال ويتحاكم لديه خلفاء الطرائق الصورية وأصحاب الأشاير البدعية كالأحمدية والرفاعية والبرهامية والقادرية فيفضل قوانينهم العادية وينتقل في أوائل شهر ربيع الأول إلى داره بالأزبكية بدرب عبد الحق فيعمل هناك وليمة المولد النبوي على العادة وكذلك مولد المعراج في شهر رجب بزاوية الدشطوطي خارج باب العدوي ولم يزل على حالته وطريقته مع انكسار النفس إلى أن ضعفت قواه وتعلل ولازم الفراش فعند ذلك طلب الشيخ الشنواني وباقي المشايخ وعرفهم أن مرضه الذي هو به مرض الموت لأنه بلغ التسعين وزيادة وأنه عهد بالخلافة على سجادتهم لولده السيد محمد لأنه بالغ رشيد والتمس منهم بأن يركبوا معه من الغد ويطلعوا إلى القلعة ويقابلوا به الباشا فأجابوه إلى ذلك وركبوا من الغد صحبته إلى القلعة فخلع عليه الباشا فروة سمور ونزل إلى داره بالأزبكية بدرب عبد الحق وتوفي المترجم في أواخر شهر شوال من السنة وحضروا بجنازته إلى الأزهر فصلوا عليه وذهبوا به إلى القرافة ودفن بمشهد أسلافهم رحمه الله تعالى‏.‏
ومات الأجل المكرم المهذب في نفسه النادرة في أبناء جنسه محمد أفندي الودنلي الذي عرف بناظر المهمات ويعرف أيضًا بطبل أي الأعرج لأنه كان به عرج قدم إلى مصر في أيام قدوم الوزير يوسف باشا وولاه محمد باشا خسرو كشوفية أسيوط ثم رجع إلى مصر في ولاية محمد علي باشا فجعله ناظرًا على مهمات الدولة وسكن ببيت سليمان أفندي ميسوًا بعطفة أبي كلبة بناحية الدرب الأحمر فتقيد بعمل الخيام والسروج واليرقات ولوازم الحروب فضاقت عليه الدار فاشترى بيت ابن الدالي باللبودية بالقرب من قنطرة عمر شاه وهي دار واسعة عظيمة متخربة هي وما حولها من الدور والرباع والحوانيت فعمرها وسكن بها ورتب بها ورشات أرباب الأشغال والصنائع والمهمات المتعلقة بالدولة كسبك المدافع والجلل والقنابر والمكاحل والعربات وغير ذلك من الخيام والسروج ومصاريف طرائف العساكر الطبجية والعربجية والرماة وعمر ما حول تلك الدار من الرباع والحونيت والمسجد الذي بجواره ومكتبًا لإقراء الأطفال ورتب تدريسًا في المسجد المذكور بعد العصر وقرر فيه السيد أحمد الطحطاوي الحنفي ومعه عشرة من الطلبة ورتب لهم ألف عثماني تصرف لهم من الروزنامة وللأطفال وكسوتهم خلاف ذلك ويشتري في عيد الأضحى جواميس وكباشًا يذبح منها ويفرق على الفقراء والموظفين ويرسل إلى أصحابه عدة أكباش في عيد الأضحية إلى بيوتهم الكبش والكبشين على قدر مقاديرهم ويرسل في كل ليلة من ليالي رمضان عدة قصاع مملوءة بالثريد واللحم إلى الفقراء بالجامع الأزهر واتفق أن الباشا قصد تعمير المجراة والسواقي التي تنقل الماء من النيل إلى القلعة وكانت قد تهدمت وتخربت وتلاشت وبطل عملها مدة سنين فأحضروا المعمارجية فهولوا عليه أمرها وأخبروه أنها تحتاج خمسمائة كيس تنفق في عمارتها فعرض ذلك على المترجم فقال له‏:‏ أنا أعمرها بمائة كيس قال كيف تقول قال بل بثمانين كيسًا والتزم بذلك ثم شرع بعمارتها حتى أتمها على ما هي عليه الآن وأهدى إليه رجال دولتهم عدة أنوار معونة له فعمر أيضًا سواقيها وأدارها وجرى فيها الماء إلى القلعة ونواحيها وانتفع بها أهل تلك الجهات ورخص الماء وكثر في تلك الأخطاط وكانوا قاسوا شدة من عدم الماء عدة سنين ومما عد من مناقبه أن القلقات المقيدين بالمراكز وأبواب المدينة كانوا يأخذون من الواردين والداخلين والخارجين والمسافرين من الفلاحين وغيرهم ومهم أشياء أو أحمال ولو حطبًا أو برسيمًا أو تبنًا أو سرجينا دراهم على كل شيء ولو امرأة فقيرة معها أو على رأسها مقطف من رجيع البهائم تبيعه في الشارع وتقتات بثمنه فيحجزونها ولا يدعونها تمر حتى تدفع لهم نصف فضة ثم يأخذون أيضًا من ذلك الشيء ويأخذون على كل حمل حمار أو بغل أو جمل نصف فضة وإذا اشترى شخص من ساحل بولاق أو مصر القديمة أردب غلة أو حملة حطب لعياله أخذ منه المتقيدون عند قنطرة الليمون فإذا خلص منهم استقبله الكائنون بالباب الحديد وهكذا سائر الطرق التي يدخل منها المارة إلى المدينة ويخرجون مثل باب النصر وباب الفتوح وباب الشعرية وباب العدوي وطرق الأزبكية وباب القرافة والبرقية وطرق مصر القديمة فسعى المترجم بأبطال ذلك وتكلم مع الباشا وعرفه تضرر الناس وخصوصًا الفقراء وهؤلاء المتقيدون لهم علائف يقبضونها من الباشا كغيرهم وهذا قدر زائد مرخص له في إبطال هذا الأمر وكتب له بيور لدي بمنع هؤلاء المذكورين عن أخذ شيء من الناس جملة كافية وقيد بكل مركز شخصًا من أتباعه لمراقبتهم وأشاع ذلك في الناس فانكفوا وامتنعوا عن أخذ شيء من عامة الناس وكانوا يجمعون من ذلك مقادير من الفضة العددية يتقاسمونها آخر النهار وذلك خلاف ما يأخذونه من الأشياء المحمولة كالجبن والزبد والخيار والقثاء وأنواع البطيخ والفاكهة والبرسيم والأحطاب والخضارات وغير ذلك ومن مناقبه أيضًا أن الجاويشية والقواسة الأتراك المختصين بخدمة الباشا كتخدا كان من عوائدهم القبيحة أنهم في كل يوم جمعة يلبسون أحسن ملابسهم وينتشرون بالمدينة ويطوفون على بيوت الأعيان وأرباب المظاهر وأصحاب المناصب ويأخذون منهم البقاشيش ويسمونها الجمعية فما هو إلا أن يصطبح أحد من ذكر ويجلس مجلسه إلا واثنان أو ثلاثة عابرون عليه من غير استئذان فيقفون قبالته وبأيديهم العصي المفضضة فيعطيهم القرشين أو الثلاثة بحسب منصبه ومقامه فإذا ذهبوا وانصرفوا حضر إليه خلافهم وهكذا ولا يرون في ذلك ثقلًا ولا رذالة بل يرون أن ذلك من اللازمات الواجبة فلا يكفي أحد المقصودين الخمسون قرشًا أو أقل أو أكثر في ذلك اليوم تذهب سبهللًا فكان منهم من ينقطع في حريمه ذلك اليوم أو يتوارى ويغيب في منزله فإذا صادفوه مرة أخرى ذاكروه فيما فاتهم في السابق فإما سامحوه وامتنوا عليه بتركها أو طالبوه بها إن لم يكن ممن يخشوه فسعى أيضًا المترجم مع الباشا على منعهم من ذلك‏.‏

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 04:50 PM   #133
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااااااااااااااابع
ومن مساويه أنه أول من فتح باب الزيادة في متحصل الضربخانة حتى تنبه الباشا من ذلك الوقت لأهل الضربخانة وأوقع بهم ما تقدم ذكره ومنها أحداث المكس على اللبان والحناء والصمغ على ما قيل ومن ذا الذي نرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه وبالجملة فمن رأس العين يأتي الكدر كما قال الليث بن سعد لما سأله الرشيد وقال له يا أبا الحرث ما صلاح أمر زراعتها وجدبها وخصبها فبالنيل وأما صلاح أحكامها فمن رأس العين يأتي الكدر فقال له صدقت ذكر ذلك الحافظ بن حجر في المرحمة الغيثية في الترجمة الليثية وعلى كل فكان المترجم أحسن من رأينا في هذه الدولة وكان قريبًا من الخير وفعله مواظبًا على الصلوات الخمس في أوقاتها ملازمًا على الاشتغال ومطالعة الكتب والممارسة في دقائق الفنون واقتنى كتبًا كثيرة في سائر الفنون واستنباط الصنائع حتى أنه صنع الجوخ الملون الذي كان يعمل ببلاد الإفرنج ويجلب إلى الآفاق ويلبسه الناس للتجمل وكان قل وجوده بمصر وغلا ثمنه فعمل عدة أنوال ومناسج غريبة الواضع وأحضر أشخاصًا من النساجين فنسجوا الصوف بعد غزله مدات حددها لهم في الطول والعرض ثم بتسلمه رجال أعدهم لتخميره وتلبيده بالقلي والصابون منشورًا ومطويًا بكيفيات في أوقات وأيام بمباشرته لهم في العمل وإشارته ثم يضعونه مطويًا في أحواض من خشب ثخين مزفت تمتلئ بالماء من ساقية صنعها لخصوص ذلك يصب منها الماء إلى تلك الأحواض تديرها الأثوار وعلى تلك الأحواض مدقات شبيهة بمدقات الأرز تتحرك في صعودها وهبوطها من ترس خاص يدور بدوران الساقية وما يفيض من ماء الأحواض يجري إلى بستان زرعه حول ذلك فيسقي ما به من الأشجار والمزارع فلا يذهب الماء هدرًا ثم يخرجونه بعد ذلك ويبردخونه ويصبغونه بأنواع الأصباغ ويضعونه في مكبس كبير يقال له التخت صنعه لذلك وعند ذلك يتم عمله فكان الناس يذهبون للتفرج على ذلك لغرابته عندهم ثم حضر إليه شخص فرنساوي وأشار عليه بإشارات في تغيير المدقات وأفسد العمل واشتغل هو بكثرة المهمات الصعبة فتكاسل عن إعادتها ثانيًا وبطل ذلك وكان مع كثرة أشغاله ومصاريفه ليس له كاتبًا بل يكتب ويحسب لنفسه وبين يديه عدة دفاتر لكل شيء دفتر مخصوص ولا يشغله شيء عن شيء ولما اتسعت دائرته وكثرت حاشيته واجتمعت فيه عدة مناصب مضافة لنظر المهمات مثل معمل البارود وقاعة الفضة ومدابغ الجلود وغير ذلك فكان كتخدا بك يحقد عليه في الباطن لأمور بينهما حتى قيل أن نفسه طمحت في الكتخدائية فكان يتصدر في الأمور والقضايا ويرافع ويدافع ويهزل مع الباشا ويضاحكه ويرادده ويدخل عليه من غير استئذان فلم يزل الكتخدا يلقي فيه الدسائس ويعمل معدل الأشغال التي تحت نظره ويعرف الباشا بما يتوفر من ذلك حتى نزعه من نظارة جميع المهمات وقلدها صالح كتخدا الرزاز‏.‏

ومما نقمه عليه أن الكتخدا حضر لزيارة المشهد الحسيني في عصرية يوم رمضان ثم ركب متوجهًا إلى داره قبيل الغروب فصادف في طريقه عدة قصاع كبار مغطاة تحملها الرجال فسأل عنها فعرفوه أن المترجم يرسلها في كل ليلة من ليالي رمضان إلى فقراء الجامع الأزهر وبها الثريد واللحم فامتعض من ذلك وعرف الباشا أن يؤلف الناس ويتوادد إليهم بأموالك ونحو ذلك واستمر المترجم بطالًا نحو السنتين ولم يتضعضع ولم يظهر عليه تغير ونظامه ومطبخه على حاله وطعامه مبذول وراتبه جار وفي تلك المدة اشتغل بمطالعة الكتب والممارسة والمدارسة وعانى الحسابيات وصناعة التقويم حتى مهر في ذلك وعمل الدستور السنوي وما يشتمل عليه من تقويم الكواكب السيارة وتداخل التواريخ والأهلة والاجتماعات والاستقبالات وطوالع التحاويل والنصبات ويصنع بيده أيضًا الصنائع الفائقة مثل الظروف التي تأتي من بلاد الهند والإفرنج والروم ويضع فيها الكتبة محابرهم وأقلامهم فيصنعها أولًا من الخشب الرقيق والقرطاس المقوم المتلاصق ويصبغها وينقشها بأنواع الليق ويعيد على النقوشات بالسندروس المحلول ويضعها في صندوق من الزجاج صنعه لخصوص تلك الأشياء والقبورات وجفاف دهانها بحرارة الشمس المحجوب بالزجاج عن الهواء والغبار وعند تمامها تكون في غاية الحسن والظرافة والبهجة بحيث لا يشك من يراها بأنها من صناعة الهند أو الإفرنج المتقنين الصناعة وكان كلما سمع بشخص ذي معرفة لصناعة البضائع أو المعارف اجتهد في تحصيلها وتلقيها عنه بأي وجه كان ولو ببذل الرغائب وأعد بمنزله أماكن لأشخاص من أرباب المعارف ينزلهم فيها ويجري عليهم النفقات والكساوي حتى يجتني ثمار معارفهم وصنائعهم ويجتمع عنده في كل ليلة جمعة جماعة من القراء التي مساكنهم قريبة من داره فيذكر الله معهم حصة من الليل ثم يفرق فيهم دراهم ولما طال به الإهمال وفتور الأحوال والباشا قليل الإقامة بمصر وأكثر أيامه غائب عنها فحسن بباله الرحلة من مصر إلى الديار الرومية ويذهب إلى بلاده فاستأذن الباشا عند وداعه وهو متوجه إلى ناحية قبلي فأذن له وأخذ في أسباب السفر فأرسل الكتخدا إلى الباشا ودس إليه كلامًا فأرسل بمنعه ويرتب له خروجًا لمطبخه فتعوق عن السفر على غير خاطره وفي أوائل السنة حضرت إليه والدته وابنته وزوجها فأنزلهم في دار تجاه داره وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه من النفقة فاتفق أن صهره المذكور حلف يمينًا بالطلاق الثلاث وحنث فيه ففرق بينه وبين ابنته وطرده فشكاه إلى كتخدا بك فكلمه في شأنه فلم يقبل وقال لا يجوز أن أحلل المحرم لأجلك واستمر صهره يتردد على الكتخدا ويلقي ما يلقيه في حقه من النميمة ويذكر له عنه في حقه ما يزيده غيظًا وكراهة ويقول له أنه يجمع أناسًا في كل ليلة جمعة يقرؤون ويدعون عليه وعلى مخدومك وذكر له أنه يقول لكم أن قصدت السفر إلى بلده وإنما قصده السفر إلى إسلامبول ليجتمع على مخدومه الأول لكونه تولى قبودان باشا ورياسة الدونانمة ويقول عندما أكون بدار السلطنة أفعل وأفعل وأخبرهم بحقيقة هؤلاء وأفاعيلهم وانقض عليهم أمرهم وذكر له أيضًا أنه استخرج من أحكام النجوم التي يعانيها أن الباشا يحصل له نكبة بعد مدة قريبة ويحصل ما يحصل من الفتن فيريد الخروج من مصر قبل وقوع ذلك ونحو ذلك فلما رجع الباشا من سفرته توسل المترجم بالكتخدا في أن يأخذ له إذنًا من الباشا بالسفر وهو لا يعلم سريرته ففاوض الباشا في ذلك وألقى إليه ما ألقاه حتى أوغر صدره منه ثم رد عليه بقوله إني استأذنت الباشا فلم يسهل به مفارقتك وقال أن كان عن ضيق في المعيشة فأطلق له في كل شهر كيسين عنها أربعون ألف نصف فضة فلما قال له ذلك قال‏:‏ أنا لا يكفيني هذا المقدار فإن كان فيطلق لي خمسة أكياس فقال لم يرض بأزيد مما ذكرته لك وكل ذلك مخادعة من الكتخدا ليحقق ما حشده في صدر مخدومه وما زال يتردد في طلب الإذن حتى أذن له وأضمر له القتل بعد خروجه من مصر فعند ذلك باع داره وما استجده حولها والبستان خارج قناطر السباع وما زاد عن حاجته من الأشياء والأمتعة واشترى عبيدًا وجواري وقضى لوازمه وسافر إلى رشيد فعندما مضى من نزوله يومان أو ثلاثة كتبوا إلى خليل بك حاكم الإسكندرية مرسومًا بقتله فبلغه خبر ذلك وهو بثغر رشيد فلم يصدقه وقال أي ذنب استوجب به القتل ولو أراد قتلي ما الذي يمنعه منه وأنا عنده بمصر وأن سافرت بإذنه وودعته وقبلت يديه وأخذت خاطره وهو مبشوش معي كعادته فلما حصل بالإسكندرية واستقر بالسفينة ومضى أيام وهم ينتظرون اعتدال الريح والإذن من الحاكم بالإقلاع ووصل المرسوم إلى خليل بك فأرسل إليه في وقت يدعوه ليتغدى معه في رأس التين ونظر إلى خليل بك وهو واقف في انتظاره على بعد منه فوق علوة فأجاب وخرج من السفينة فوصل إليه جماعة من العسكر وأحاطوا به فتحقق عند ذلك ما كان بلغه وهو برشيد ونظر إلى خليل بك فلم يره فقال أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي ركعتين وقام من حلاوة الروح وألقى بنفسه في البحر فضربوا عليه بالرصاص وأخرجوه وتمموا قتله وأخرجوا صناديقه وأخذوا ما فيها من الكتب لأن الباشا أرسل بطلبها وأخذ ما معه من المال والدراهم خليل بك فأعطى لولده جانبًا وأذن له بالسفر مع عياله وانقضى أمره ووصلت الكتب إلى سراية الباشا وأودعت عند ولي خوجا وتبدد الكثير منها وفرق منها عدة على غير أهلها وكانت قتلته في أواخر شهر صفر من السنة والله أعلم‏.‏
ثم دخلت سنة ثماني وعشرين ومائتين وألف استهل المحرم بيوم الاثنين سنة 1228 فيه وصل الخبر من الجهة القبلية بأن إبراهيم بك ابن الباشا قبض على أحمد أفندي ابن حافظ أفندي الذي بيده دفاتر الرزق الأحباسية وشنقه وضرب قاسم أفندي بن أمين الدين كاتب الشهر علقة قوية وكان والده أصحبهما معه ليباشرا معه الأمور ويعرفاه الأحوال وكان قاسم أفندي خصيصًا به مثل الوزير والصاحب والنديم ورتب له الباشا في كل سنة ثمانين كيسًا خلاف الخروج والكساوي وشرط عليه المناصحة في كشف المستورات وما يكون فيه تحصيل الأموال فكأنه قصر في كشف بعض الأشياء وأرسل إلى والده يعلمه بخيانته هو وكاتب الأرزاق وأنهما منهمكان في ملاذهما فأذن له في فعله بهما ما ذكر وأخذ ما كانا يجمعاه لأنفسهما وأظهر أنه إنما فعل ذلك بهما عقوبة على ارتكابهما المعصية‏.‏
وفي عشرينه حضر إبراهيم بك المذكور إلى مصر وفيه حصلت منافسة بين حسين أفندي الروزنامجي وبين شخصين من كتابه وهما مصطفى أفندي باش جاجرت وقيطاس ولعل ذلك بإغراء باطني على حسين أفندي فرفعا أمرهما إلى الباشا وعرفاه عن مصارف وأمور يفعلها حسين أفندي ويخفيها عن الباشا وأنه إذا حوسب على السنين الماضية يطلع عليه ألوف من الأكياس فعندما سمع ذلك أمرهما بمباشرة حسابه عن أربع سنوات متقدمة فخرجا من عدنه وأخذا صحبتهما مباشرًا تركيا ونزلوا على حسين غفلة بعد العصر وتوجهوا إلى منزل أخيه عثمان أفندي السروجي ففتحوا خزانة الدفاتر وأخذوها بتمامها إلى بيت ابن الباشا إبراهيم بك الدفتردار واجتمعوا في صبحها للمحاققة والحساب مع أخيه عثمان أفندي المذكور واستمروا في المناقشة والمحاققة عدة أيام مع المرافعة والمدافعة والميل الكلي على حسين أفندي ويذهبون في كل ليلة يخبرون الباشا بما يفعلون وبالقدر الذي ظهر عليه فيعجبه ذلك ويثني عليهما ويحرضهما على التدقيق فتنتفخ أوداجهما ويزيدان في الممانعة والمدافعة والمرافعة في الحساب وحسن أفندي على جليته ويظن أنه على عادته في كونه مطلق التصرف في الأموال الميرية ويبلغها إذا سئل فيها للقائم بالدولة إيرادًا ومصرفًا ليكون إجمالًا لا تفصيلًا لكونه أمينًا وعدلًا وكان الإيراد والمصرف محررًا أو مضبوطًا في الدفاتر التي بأيدي الأفندية الكتاب ومن انضم إليهم من كتاب اليهود في دفاترهم أيضًا بالعبراني لتكون كل فرقة شاهدة وضابطة على الأخرى فلما استقل هذا الباشا بمملكة الديار المصرية واستغول في تحصيل الأموال بأي وجه واستحدث أقلام المكوس وجعلها في دفاتر تحت أيدي الأفندية وكتبة الروزنامة فصارت من جملة الأموال الميرية في قبضها وصرفها وتحاويلها والباشا مرخى العنان للروزنامجي ومرخص له في الإذن والتصرف والروزنامجي كذلك مرخي العنان لأحد خواص كتابه المعروف بأحمد اليتيم لفطانته ودرايته فكان هو المشار إليه من دون الجميع ويتطاول عليهم ويمقت من فعل فعلًا دون اطلاعه وربما سبه ولو كان كبيرًا أو أعلى منزلة منه في فنه فيمتلئ غيظًا وينقطع عن حضور الديوان فيهمله ولا يسأل عنه والأفندي الكبير الذي لا يخرج عن رأيه لكونه ساد أمسد الجميع فدبروا على أحمد أفندي المذكور وحفروا له وأغروا به حتى نكبه الباشا وصادره في ثمانين كيسًا ومخدومه حسين أفندي في أربعمائة كيس وانقطع أحمد أفندي عن حضور الديوان وتقدم المتأخر وضم الباشا إلى ديوانهم من طرفه خليل أفندي وسموه كاتب الذمة بمعنى أنه لا يكتب تحويل ولا ورقة ميرى ولا خلاف ذلك مما يسطر في ديوانهم حتى يطلع عليه خليل أفندي المذكور ويرسم عليه علامته فأحاط علمه بجميع أسرارهم وكل قليل يستخبر منه الباشا فيحيطه بمعلوماته ولم يزل حتى تحول ديوانهم وانتقل إلى بيت خليل أفندي تجاه منزل إبراهيم بك ابن الباشا بالأزبكية وترأس بالديوان قاسم أفندي كاتب الشهر وقريبه قيطاس أفندي ومصطفى أفندي باش جاجرت وبعد مدة أشهر سافر إبراهيم بك وأخذ صحبته قاسم أفندي على الصورة المتقدمة والروزنامجي وولده محمد أفندي يراعيان جانب رفيقيه ولا يتعرضان لهما فيما يتصدران له ويضمانه في عهدتهما‏.‏ فلما

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
وصل الخبر بنكبة إبراهيم بك لقاسم أفندي

فعند ذلك قصر معهما وأظهر ابن الروزنامجي مكمون غيظه في حقهما ومانعهما أيضًا وخشن القول لهما فاتفقا على إنهاء الحال إلى باب الباشا ففعلا ما ذكر وكان حسين أفندي عندما استأذن الباشا في صرف ما يتعلق بمشايخ العلم والأفندية الكتبة والسيد محمد المحروقي بالكامل وما عداهم ربع استحقاقهم وكتب له فرمانًا بذلك فقال له الروزنامجي في بعضهم من يستحق المراعاة كبعض أهل العلم الخاملين وأهل الحرمين المهاجرين ومستوطنين بمصر بعيالهم وليس لهم إيراد يتعيشون منه إلا ما هو مرتب لهم من العلائف في كل سنة وكذلك بعض الملتزمين الذين اعتادوا سداد ما عليهم من الميري وبعضه بما لهم من الإتلافات والعلائف والغلال فقال له النظر في ذلك لرأيك فإن هذا شيء يعسر ضبط جزئياته فاعتمد ذلك وطفق يفعل في البعض بالنصف والبعض بالثلث أو الثلثين وأما العامة والأرامل فيصرف لهم الربع لا غير حسب الأمر ويقاسون في تحصيل ربع استحقاقهم الشدائد من السعي وتكرار الذهاب والتسويف والرجوع في الأكثر من غير شيء مع بعد المسافة وفيهم الكثير من العواجز فلما ترافعوا في الحساب مانع المتصدر فيما زاد على الربع وطلع إلى الباشا فعرفه بذلك فقال الباشا لا تخصموا له إلا ما كان بإذني وفرماني وما كان بدون ذلك فلا وأنكر الحال السابق منه له وقال هو متبرع فيما فعله فتأخر عليه مبلغ كبير في مدة أربع سنوات وكذلك كان يحول عليه حوالات لكبار العسكر برسول من أتباعه فلا يسعه الممانعة ويدفع القدر المحول عليه بدون فرمان اتكالًا على الحلة التي هو معه عليها فرجعوا عليه في كثير من ذلك وتأخر عليه مبلغ كبير أيضًا فتتموا حساب سنة واحدة على هذا النسق فبلغت نحو الألف كيس ومائتي كيس وكسور تبلغ في الأربع سنوات خمسة آلاف كيس فتقلق حسن أفندي وتحير في أمره وزاد وسواسه ولم يجد مغيثًا ولا شافعًا ولا دافعًا‏.‏
وفي أواخره عمل الباشا مهمًا لختان ابن بونابارته الخازندار الغائب ببلاد الحجاز وعملوا له زفة في يوم الجمعة بعد الصلاة اجتمع الناس للفرجة عليها‏.‏
وفيه أيضًا زاد الإرجاف بحصول الطاعون وواقع الموت منه بالإسكندرية فأمر الباشا كورنتينه بثغر رشيد ودمياط والبراس وشبرا وأرسل إلى الكاشف الذي بالبحيرة بمنع المسافرين المارين من البر وأمر أيضًا بقراءة صحيح البخاري بالأزهر وكذلك يقرأون بالمساجد والزوايا سورة الملك والأحقاف في كل ليلة بنية رفع الوباء فاجتمعوا إلا قليلًا بالأزهر نحو ثلاثة أيام ثم تركوا ذلك وتكاسلوا عن الحضور‏.‏
وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه كسفت الشمس وقت الضحوة وكان المنكسف نحو ثلاثة أرباع الجرم وكانت الشمس في برج الدلو أيام الشتاء فأظلم الجو إلا قليلًا ولم ينتبه له كثير من الناس لظنهم أنها غيوم متراكمة لأنهم في فصل الشتاء‏.‏
واستهل شهر صفر بيوم الأربعاء سنة 1228 فيه في أخريات النهار هبت ريح جنوبية غربية عاصفة باردة واستمرت لعصر يوم السبت وكانت قوتها يوم الجمعة أثارت غبارًا أصفر ورمالًا مع غيم مطبق وقتام ورش مطر قليل في وفي يوم الثلاثاء سابعه وردت بشائر من البلاد الحجازية باستيلاء العساكر على جدة ومكة من غير حرب وذلك أنه لما انهزمت الأتراك في العلم الماضي ورجعوا على الصورة التي رجعوا عليها مشتتين ومتفرقين وفيهم من حضر من طريق السويس ومنهم من أتى من البر ومنهم من حضر من ناحية القصير ونفى الباشا من استعجل بالهزيمة والرجوع من غير أمره ويخشى صولته ويرى في نفسه أنه أحق بالرياسة منه مثل صالح قوج وسليمان وحجو وأخرجهم من مصر واستراح منهم ثم قتل أحمد آغا لاظ جدد ترتيبًا آخر وعرفه كبراء العرب الذين استمالهم واندرجوا معه وشيخ الحويطات أن الذي حصل لهم إنما هو من العرب الموهبين وهم عرب حرب والصفراء وأنهم مجهودون والوهابية لا يعطونهم شيئًا ويقولون لهم قاتلوا عن دينكم وبلادكم فإن بذلتم لهم الأموال وأغدقتم عليهم بالأنعام والعطاء ارتدوا ورجعوا وصاروا معكم وملكوكم البلاد فاجتهد الباشا في جمع الأموال بأي وجه كان واستأنف الطلب ورتب الأمور وأشاع الخروج بنفسه ونصب العرضي خارج بالموكب كما تقدم وجلس بالصيوان وقرر للسفر في المقدمة بونابارته الخازندار وأعطاه صناديق الأموال والكساوي وأرفق معه عابدين بك ومن يصحبهما وواظب على الخروج إلى العرضي والرجوع تارة إلى القلعة وتارة إلى الأزبكية والجيزة وقصر شبرا ويعمل الرماحة والميدان في يومي الخميس والاثنين والمصاف على طرائق حرب الإفرنج وسافر بونابارته في أواخر شعبان واستمر العرضي منصوبًا والطلب كذلك مطلوبًا والعساكر واردة من بلادها على طريق الإسكندرية ودمياط ويخرج الكثير إلى العرضي ويستمرون على الدخول إلى المدينة في الصباح لقضاء أشغالهم والرجوع أخريات النهار مع تعدي أذاهم للباعة والحمارة وغيرهم ولما غدر الباشا بأحمد آغا لاظ وقتله في أواخر رمضان ولم يبق أحد ممن يخشى سطوته وسافر عابدين بك في شوال وارتحل بعده بنحو شهر مصطفى بك داني باشا وصحبته عدة وافرة من العسكر ثم سافر أيضًا يحيى آغا ومعه نحو الخمسمائة وهكذا كل قليل ترحل طائفة بعد أخرى والعرضي كما هو ميدان الرماحة وكذلك ولما وصل بونابارته إلى ينبع البر أخذوا في تأليف العربان واستمالتهم وذهب إليهم ابن شديد الحويطي ومن معه وتقابلوا مع شيخ حرب ولم يزالوا به حتى وافقهم وحضروا به إلى بونابارته فأكرمه وخلع عليه الخلع وكذلك على من حضر من أكابر العربان فألبسهم الكساوي والفراوي السمور والشالات الكشميري ففرق عليهم من الكشمير ملء أربع سحاحير وصب عليهم الأموال وأعطى لشيخ حرب مائة ألف فرانسة عين وحضر باقي المشايخ فخلع عليهم وفرق فيهم فخص شيخ حرب بمفرده ثمانية عشر ألف فرانسة ثم رتب لهم علائف تصرف لهم في كل شهر لكل شخص خمسة فرانسة وغرارة بقسماط وغرارة عدس فعند ذلك ملكوهم الأرض والذي كان متأمرًا بالمدينة من جنسهم فاستمالوه أيضًا وسلم لهم المدينة وكل ذلك بمخامرة الشريف غالب أمير مكة وتدبيره وإشارته فلما تم ذلك أظهر الشريف غالب أمره وملكهم مكة والمدينة وكان ابن مسعود الوهابي حضر في الموسم وحج ثم ارتحل إلى الطائف وبعد رحيله فعل الشريف غالب فعله وسيلقي جزاءه ولما وصلت البشائر بذلك في يوم الثلاثاء سابعه ضربوا مدافع كثيرة ونودي في صبح ذلك بزينة المدينة ومصر وبولاق فزينوا خمسة أيام أولها الأربعاء وآخرها الأحد وقاسى الناس في ليالي هذه الأيام العذاب الأليم من شدة البرد والصقيع وسهر الليل الطويل وكان ذلك في قوة فصل الشتاء وكل صاحب حانوت جالس فيها وبين يديه مجمرة نار يتدفأ ويصطلي بحرارتها وهو ملتف بالعباءة والأكسية الصوف أو اللحاف وخرج الباشا من ليلة الأربعاء المذكور ونصبت الخيام وخرجت الجمال المحملة باللوازم من الفرش والأواني وأزيار الماء والبارود لعمل الشنائك والحرائق وفي كل يوم يعمل مرماح وشنك عظيم مهول بالمدافع وبنادق الرصاص المتواصلة من غير فاصل مثل الرعود والطبول من طلوع الشمس إلى قريب الظهر وفي أول يوم من أيام الرمي أصيب إبراهيم بك ابن الباشا برصاصة في كتفه أصابت شخصًا من السواس ونفذت منه إليه وهي باردة فتعلل بسببها وخرج بعد يومين في عربة إلى العرضي ثم رجع ولما كان يوم الأحد وقت الزوال ركب الباشا وطلع إلى القلعة وقلعوا خيام الشنك وحملوا الجمال ودخلت طوائف العسكر وأذن للناس بقلع الزينة ونزول التعاليق وكان الناس قد عمروا القناديل وأشاعوا أنها سبعة أيام فلما حصل الإذن بالرفع فكأنما نشطوا من عقال وخلصوا من السجون لما قاسوه من البرد والسهر وتعطيل الأشغال وكساد الصنائع والتكليف بما لا طاقة لهم به وفيهم من لا يملك قوت عياله أو تعمير سراجه فيكلف مع ذلك هذه التكاليف وكتب الباشا بالبشائر إلى دار السلطنة وأرسلها صحبة أمين جاويش وكذلك إلى جميع النواحي وأنعم بالمناصب على خواصه‏.‏
وفي هذا الشهر وردت أخبار بوقوع أمطار وثلوج كثيرة بناحية بحري وبالإسكندرية ورشيد بحدود الغربية والمنوفية والبحيرة وشدة برد ومات من ذلك أناس وبهائم والزروع البدرية وطف على وجه الماء أسماك موتى كثيرة فكان موج البحر يلقيه على الشطوط وغرق كثير من السفن من الرياح العواصف التي هبت في أول الشهر‏.‏
وفي سابعه يوم وصول البشارة أحضر الباشا حسين أفندي الروزنامجي وخلع عليه خلعة الإبقاء على منصبه في الروزنامة وقرر عليه ألفين وخمسمائة كيس وذلك أنهم لما رافعوه في الحساب على الطريقة المذكورة وأرسل إليه الباشا بطلب خمسمائة كيس من أصل الحساب فضاق خناقه ولم يجد له شافعًا ولا ذا مرحمة فأرسل ولده إلى محمود بك الدويدار يستجير فيه وليكون واسطة بينه وبين الباشا وهو رجل ظاهره خلاف باطنه فذهب معه إلى الباشا فبش في وجهه ورحب به وأجلسه محمود بك في ناحية من المجلس وتناجى هو مع الباشا ورجع إليه يقول له أنه يقول أن الحساب لم يتم إلى هذا الحين وأنه ظهر على أبيك تاريخ أمس خمسة آلاف كيس وزيادة وأنا تكلمت معه وتشفعت عنده في ترك باقي الحساب والمسامحة في نصف المبلغ والكسور فيكون الباقي ألفين وخمسمائة كيس تقومون بدفعها فقال ومن أين لنا هذا القدر العظيم وقد عزلنا من المنصب أيضًا حتى كنا نتداين ولا يأمننا الناس إذا كان القدر دون هذا فرجع إلى الباشا وعاد إليه يقول له لم يمكني تضعيف القدر سوى ما سامح فيه وأما المنصب فهو عليكم وفي غد يطلع والدك ويتجدد عليه الإبقاء وينكمد الخصم وعلى الله السداد ونهض وقبل يده وتوجه فنزل إلى دارهم وأخبر والده بما حصل فزاد كربه ولم يسعه إلا التسليم وركب في صبحها وطلع إلى الباشا فخلع عليه ونزل إلى داره بقهره وشرع في بيع تعلقاته وما يتحصل لديه‏.‏
وفي يوم الاثنين ثالث عشره خلع الباشا على مصطفى أفندي ونزل إلى داره وأتاه الناس يهنؤنه بالمنصب‏.‏
وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه وردت بشائر بتملكهم الطائف وهروب المضايفي منها فعملوا شنكًا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة وغيرها ثلاثة أيام في كل وقت أذان وشرع الباشا في تشهيل ولده إسمعيل باشا بالبشارة ليسافر إلى إسلامبول وتاريخ تملكها في سادس عشرين المحرم‏.‏
وفي هذه الأيام ابتدعوا تحرير الموازين وعملوا لذلك ديوانًا بالقلعة وأمروا بإبطال موازين الباعة وإحضار ما عندهم من الصنج فيزنون الصنجة فإن كانت زائدة أو ناقصة أخذوها وأبقوها عندهم وإن كانت محررة الوزن ختموها بختم وأخذوا على كل ختم صنجة ثلاثة أنصاف فضة وهي النصف أوقية والأوقية إلى الرطل الذي يكون وزنه غير محور يعطونه رطلًا من حديد ويدفع ثمنه مائة نصف فضة والنصف رطل خمسون وهكذا وهو باب ينجمع منه أكياس كثيرة‏.‏
وفيه أيضًا طلب الباشا من عرب الفوائد غرامة سبعين ألف فرانسة فعصوا ورمحوا بإقليم الجيزة وأخذوا المواشي وشلحوا من صادفوه ورمح كاشف الجيزة عليهم فصادف منهم أباعر محملة أمتعة لهم وصحبتهم نساء وأولاد فأخذهم ورجع بهم‏.‏
وفيه سافر إبراهيم بك ابن الباشا إلى ناحية قبلي ووصلت الأخبار بوقوع الطاعون بالإسكندرية فاشتد خوف الباشا والعسكر مع قساوتهم وعسفهم وعدم مرحمتهم‏.‏
واستهل شهر ربيع الأول بيوم الخميس سنة 1228 فيه قلدوا شخصًا يسمى حسين البرلي وهو الكتخدا عند كتخدا بك وجعلوه في منصب بيت المال وعزلوا رجب آغا وكان إنسانًا سهلًا لا بأس به فلما تولى هذا أرسل لجميع مشايخ الخطط والحارات وقيد عليهم بأنهم يخبرونه بكل من مات من ذكر أو أنثى ولو كان ذا أولاد وورثة أو غير ذلك وكذلك على حوانيت الأموات وأرسل فرمانات إلى بلاد الأرياف والبنادر بمعنى ذلك‏.‏
وفي يوم الأحد رابعه طلب الباشا حسن أفندي الروزنامجي وطلب منه ما قرره عليه وكان قد باع حصصه وأملاكه وأدر مسكنه فلم يوف إلا خمسمائة كيس فقال له مالك لك توف القدر المطلوب وما هذا التأخير وأنا محتاج إلى المال فقال لم يبق عندي شيء وقد بعت التزامي وأملاكي وبيتي وتداينت من الربويين حتى وفيت خمسمائة كيس وها أنا بين يديك فقال له هذا كلام لا يروج علي ولا ينفعك بل أخرج المال المدفون فقال لم يكن عندي مال مدفون وأما الذي أخبرك عنه فيذهب فيخرجه من محله فحنق منه وسبه وقبض على لحيته ولطمه على وجهه وجرد السيف ليضربه فترجى فيه الكتخدا والحاضرون فأمر به فبطحوه وأمر القواسة الأتراك بضربه فضربوه بالعصي المفضضة التي بأيديهم بعد أن ضربه هو بيده عدة عصي وشج جبهته حتى أتوا عليه ثم أقاموه وألبسوه فروته وحملوه وهو مغشى عليه وأركبوه حمارًا وأحاط به خدمه وأتباعه حتى أوصلوه إلى منزله وأرسل معه جماعة من العسكر يلازمونه ولا يدعونه يدخل إلى حريمه ولا يصل إليهم منه أحد وركب في أثره محمود بك الدويدار بأمر الباشا وعبر داره ودار أخيه عثمان أفندي المذكور وأخذه صحبته إلى القلعة وسجنوه وأما ولده وأخواه فإنهم تغيبوا من وقت الطلب واختفوا ونزل في اليوم الثاني إبراهيم آغا أغات الباب يطالبه بغلاق ثمانمائة كيس وقتئذ فقال له وكيف أحصل شيئًا وأنا رجل ضعيف وأخي عثمان عندكم في الترسيم وهو الذي يعينني ويقضي أشغالي وأخذتم دفاتري المختصة بأحوالي مع ما أخذتموه من الدفاتر فأقام عنده إبراهيم آغا برهة ثم ركب إلى الباشا وكلمه في ذلك فأطلقه له أخاه ليسعى في التحصيل‏.‏ وفي

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 04:56 PM   #134
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااااابع
حادي عشره عدى الباشا إلى بر الجيزة بقصد السفر إلى بلاد الفيوم

وأخذ صحبته كتبة مباشرين مسلمين ونصارى وأشاع أن سفره إلى الصعيد ليكشف على الأراضي وروكها وارتحل في ليلة الثلاثاء ثالث عشره بعد أن وجه ابنه إسمعيل إلى الديار الرومية في تلك الليلة بالبشارة‏.‏
وفي خامس عشرينه حضر لطيف آغا راجعًا من إسلامبول وكان قد توجه ببشارة فتح الحرمين وأخبروا أنه لما وصل إلى قرب دار السلطنة خرج لملاقاته الأعيان وعند دخوله إلى البلدة عملوا له موكبًا عظيمًا مشى فيه أعيان الدولة وأكابرهم وصحبته عدة مفاتيح زعموا أنها مفاتيح مكة وجدة والمدينة وضعوها على صفائح الذهب والفضة والعطر والطيب وخلفهم الطبول والزمور وعملوا لذلك شنكًا ومدافع وأنعم عليه السلطان وأعطاه خلعًا وهدايا وكذلك أكابر الدولة وأنعم عليه الخنكار بطوخين وصار يقال له لطيف باشا‏.‏
وفيه وردت الأخبار بقدوم قهوجي باشا ومعه خلع وأطواخ للباشا وعدة أطواخ بولايات لمن يختار تقليده فاحتفل الباشا به عندما وصلته أخباره وأرسل إلى أمراء الثغور بالإسكندرية ودمياط بالاعتناء بملاقاته عند وروده على ثغر منها‏.‏
وفيه حضر خليل بك حاكم الإسكندرية إلى مصر فرارًا من الطاعون لأنه قد فشا بها ومات أكثر عسكره وأتباعه‏.‏
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الأحد سنة 1228 في ثامنه حضر الباشا على حين غفلة من الفيوم إلى الجيزة وأخبروا أنه لما وصل إلى ناحية بني سويف ركب بغلة سريعة العدو ومعه بعض خواصه على الهجن والبغال فوصل إلى الفيوم في أربع ساعات وانقطع أكثر المرافقين له ومات منهم سبعة عشر هجينًا‏.‏
وفي يوم الثلاثاء عاشره عملوا مولد المشهد الحسيني المعتاد وتقيد لتنظيمه السيد المحروقي الذي تولى النظارة عليه وجلس ببيت السادات المجاور للمشهد بعد أن أخلوه له وفي ذلك اليوم أمر الباشا بعمل كورنتينه بالجيزة ونوه بإقامته بها وزاد به الخوف والوهم من الطاعون لحصول القليل منه بمصر وهلك الحكيم الفرنساوي وبعض نصارى أروام وهم يعتقدون صحة الكورنتينة وأنها تمنع الطاعون وقاضي الشريعة الذي هو قاضي العسكر يحقق قولهم ويمشي على مذهبهم ولرغبة الباشا في الحياة الدنيا وكذلك أهل دائرته وخوفهم من الموت يصدقون قولهم حتى أنه اتفق أنه مات بالمحكمة عند القاضي شخص من أتباعه فأمر بحرق ثيابه وغسل المحل الذي مات فيه وتبخيره بالبخورات وكذلك غسل الأواني التي كان يمسها وبخروها وأمروا أصحاب الشرطة أنهم يأمرون الناس وأصحاب الأسواق بالكنس والرش والتنظيف في كل وقت ونشر الثياب وإذا ورد عليهم مكاتبات خرقوها بالسكاكين ودخنوها بالبخور قبل ورودها ولما عزم الباشا على كورنتينة الجيزة أرسل في ذلك اليوم بأن ينادوا بها على سكانها بأن من كان يملك قوته وقوت عياله ستين يومًا وأحب الإقامة فليمكث بالبلدة وإلا فليخرج منها ويذهب ويسكن حيث أراد في غيرها ولهم مهلة أربع ساعات فانزعج سكان الجيزة وخرج من خرج وأقام من أقام وكان ذلك وقت الحصاد ولهم مزارع وأسباب مع مجاوريهم من أهل القرى ولا يخفى احتياجات الشخص لنفسه وعياله وبهائمه فمنعوا جميع ذلك حتى سدوا خروق السور والأبواب ومنعوا المعادي مطلقًا وأقام الباشا ببيت الأزبكية لا يجتمع بأحد من الناس إلى يوم الجمعة فعدى في ذلك اليوم وقت الفجر وطلع إلى قصر الجيزة وأوقف مركبين الأولى ببر الجيزة والأخرى في مقابلتها ببر مصر القديمة فإذا أرسل الكتخدا أو المعلم غالي إليه مراسلة ناولها المرسل للمقيد بذلك في طرف مزراق بعد تبخير الورقة بالشيح واللبان والكبريت ويتناولها منه الآخر بمزراق آخر على بعد منهما وعاد راجعًا فإذا قرب من البر تناولها المنتظر له أيضًا بمزراق وغمسها في الخل وبخرها بالبخور المذكور ثم يوصلها لحضرة المشار إليه بكيفية أخرى فأقام أيامًا وسافر إلى الفيوم ورجع كما ذكر وأرسل مماليكه ومن يعز عليه ويخاف عليه من الموت إلى أسيوط‏.‏
وفي يوم السبت سابعه نودي بالأسواق بأن السيد محمد المحروقي في شاه بندر التجار بمصر وله الحكم على جميع التجار وأهل الحرف والمتسببين في قضاياهم وقوانينهم وله الأمر والنهي فيهم‏.‏
وفيه وصل إلى مصر عدة كبيرة من العساكر الرومية على طريق دمياط ونصبوا لهم وطافا خارج باب النصر وحضر فيهم نحو الخمسمائة نفر أرباب صنائع بنائين ونجارين وخراطين فأنزلوهم بوكالة بخط الخليفة‏.‏
وفي يوم الأحد ثامنه تقلد الحسبة الخواجا محمود حسن ولبس الخلعة وركب وشق المدينة وأماه الميزان فرسم برد الموازين إلى الأرطال الزياتي التي عبره الرطل منها أربع عشرة وقية في جميع الأدهان والخضراوات على العادة القديمة ونقص من أسعار اللحم وغيره ففرح الناس بذلك ولكن لم يستمر ذلك‏.‏
وفي يوم الأربعاء حادي عشره بين الظهر والعصر كانت السماء مصحبة والشمس مضيئة صافية فما هو إلا والسماء والجو طلع به غيم وقتام ورياح نكباء غربية جنوبية وأظلم ضوء الشمس وأرعدت رعدتين الثانية أعظم من الأولى وبرق ظهر ضوءه وأمطرت مطرًا متوسطًا ثم سكن الريح وانجلت السماء وقت العصر وكان ذلك سابع بشنس القبطي وآخر يوم من نيسان الرومي فسبحان الملك الفعال مغير الشؤون والأحوال وحصل في تاليه يوم الجمعة مثل ذلك الوقت أيضًا غيوم ورعود كثيرة ومطر أزيد من اليوم الأول‏.‏
واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1228 في ثاني عشره وصل في النيل على طريق دمياط آغا من طرف الدولة يقال له قهوجي باشا السلطان فاعتنى الباشا بشأنه وحضر إلى قصره بشبرا وأمر بإحضار عدة من المدافع وآلات الشنك وعملوا أمام القصر بساحل النيل تعاليق وقناديل وقدات ونبه على الطوائف بالاجتماع بملابسهم وزينتهم ووصل الآغا المذكور يوم الأحد فخرج الأغوات والسفاشية والصقلية وهم لابسون القواويق وجميع العساكر الخيالة ليلًا فما طلعت الشمس حتى اجتمعوا بأسرهم جهة شبرا وانتظموا في موكب ودخلوا من باب النصر ويقدمهم طوائف الدلاة وأكابرهم ويتلوهم أرباب المناصب مثل الآغا والوالي والمحتسب وبواقي وجاقات المصرية ثم موكب كتخدا بك وبعده موكب الآغا الواصل وفي أثره ما وصل معه من الخلع وهي أربع بقج وخنجران مجوهران وسيف وثلاث شلنجات عليها ريش مجوهر وخلف ذلك العساكر الخيالة والتفكجية وخلفهم النوبة التركية فكان مدة مرورهم نحو ساعتين وربع وليس فيهم رجالة مشاة سوى الخدم وقليل عسكر مشاة وأما بقية العسكر فهم متفرقون بالأسواق والأزقة كالجراد المنتشر خلاف من يرد منهم في كل وقت من الأجناس المختلفة برًا وبحرًا فمن الخلع الواردة ما هو مختص بالباشا وهو فروة وخنجر وريشة بشلنج وأطواخ ولابنه إبراهيم بك مثل ذلك وأسكنوا ذلك الآغا ورفيقه وأتباعهما بمنزل إبراهيم بك ابن الباشا بالأزبكية بقنطرة الدكة وأرسل بإحضار ولده من ناحية قبلي فحضر على الهجن ولبس الخلعة بولايته على الصعيد فنزل بالجيزة وعدى إلى بر مصر عند أبيه بقصر شبرا ولبس الخلعة وأقام عند أبيه ثلاث ليال ثم عدى إلى بر الجيزة وعندما وصل إلى البر أمر بتغريق السفينة بما فيها من الفرش ثم أخرجوها وكذلك أمر من معه من الرجال وفي خامس عشرينه سافر إبراهيم بك راجعًا إلى الصعيد‏.‏
وفيه حضر عرضي الباشا الذي كان سافر في ربيع الأول إلى الجهة القبلية ومعه الكتبة أيضًا المسلمون لتحرير حساب الأقباط ومساحة الأراضي‏.‏
وفي أواخره نودي على أهل الجيزة باستمرار الكورنتينة شهري رجب وشعبان وأن يعطوا لهم فسحة للمتسببين والباعة ثلاثة أيام وكذلك لمن يخرج أو إذا دخل لا يخرج إذا كلن عنده ما يكفيه ويكفي عياله في مدة الشهرين والثلاثة أيام المفسح لهم فيها ليقضوا أشغالهم واحتياجاتهم فخرج أهل البلدة بأسرهم ولم يبق منهم إلا القليل النادر القادر وأيضًا تفرقوا في البلاد وبقي الكثير منهم حول البلدة وفي الغيطان حول بيادرهم وأجرانهم وعملوا لهم أعشاشًا تظلهم من حر الشمس ووهج الهجير وينادي المقيم بالبلدة بحاجته من أعلى السور لرفيقه أو صاحبه الذي هو خارج البلدة فيجيبه ويرد جوابه من مكان بعيد ولا يمكنونهم من تناول الأشياء وأما العسكر فإنهم يدخلون ويخرجون ويقضون حوائجهم ويشترون الخضراوات والبطيخ وغيره ويبيعونه على المقيمين بالبلدة بأغلى الأثمان وإذا أراد أحد من أهل البلدة الخروج منعوه من أخذ شيء من متاعه أو بهيمته أو شاته أو حماره ولا يخرج إلا مجرد بطوله‏.‏
وفي أواخره وصل من الديار الرومية واصل وعلى يده مرسوم فقرأ بالمحكمة في يوم الأحد ثامن عشرينه بحضرة كتخدا بك والقاضي والمشايخ وأكبر الدولة والجم الغفير من الناس ومضمونه الأمر للخطباء في المساجد يوم الجمعة على المنابر بأن يقولوا عند الدعاء للسلطان فيقولوا السلطان بن السلطان بتكرير لفظ السلطان ثلاث مرات محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان بن السلطان أحمد خان مغازي خادم الحرمين الشريفين لأنه استحق أن ينعت بهذه النعوت لكون عساكره افتتحت بلاد الحرمين وغزت الخوارج وأخرجتهم منها لأن المفتي أفناهم بأنهم كفار لتفكيرهم المسلمين ويجعلونهم مشركين ولخروجهم على السلطان وقتلهم الأنفس وأن من قاتلهم يكون مغازيًا ومجاهدًا وشهيدًا إذا قتل ولما انقضى المجلس ضربوا مدافع كثيرة من القلعة وبولاق والجيزة وعملوا شنكًا واستمر ضربهم المدافع عند كل أذان عشرة أيام وذلك ونحوه من الخور‏.‏
واستهل شهر رجب سنة 1228 في منتصفه حضر بونابارته الخازندار من الديار الحجازية على طريق القصير‏.‏
وفي أواخره سافر قهوجي باشا الذي تقدم ذكر حضوره بالخلع والشلنجات والخناجر بعدما أعطى خدمته مبلغًا من الأكياس وأصحب معه الباشا هدية عظيمة لصاحب الدولة وأكابرهم وقدره من الذهب العين أربعين ألف دينار ومن النصفيات يعني نصف الدينار ستون ألفًا ومن فروق البن خمسمائة فرق ومن السكر المكرر مرتين مائة قنطار ومن المكرر مرة واحدة مائتي قنطار ومائتا قدر صيني الذي يقال له أسكي معدن مملوءة بالمربيات وأنواع الشربات الممسك المطيب المختلف الأنواع ومن الخيول خمسون جوادًا مرختة بالجوهر والنمدكش‏.‏
واللؤلؤ والمرجان وخمسون حصانًا من غير رخوت وأقمشة هندية كشميري ومقصبات وشاهي ومهترخان في عدة تعابي بقج وبخور عود وعنبر وأشياء أخرى‏.‏
وفيه أيضًا حضر آغا يقال له جانم أفندي وصحبته مرسوم قرئ بالديوان في يوم الاثنين مضمونه البشارة بمولود ولد للسلطان وسموه عثمان واجتمع لسماع ذلك المشايخ والأعيان وضربوا بعد قراءته شنكًا ومدافع واستمر ذلك سبعة أيام في كل وقت من الأوقات الخمسة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء عشرينه الموافق الثالث عشر مسرى القبطي وافى النيل المبارك أذرعه ونودي بذلك في الأسواق على العادة وكثر اجتماع غوغاء الناس للخروج إلى الروضة وناحية السد والولائم في البيوت المطلة على الخليج وما يحصل من اجتماع الأخلاط أما جري الماء كما هو المعتاد في كل سنة وأنه إذا نودي بالوفاء حصل ذلك الاجتماع في تلك الليلة وكسورا السد في صبحها عادة لا تتخلف فيما نعلم فلما كان آخر النهار ورد الخبر بأن الباشا أمر بتأخير فتح الخليج إلى يوم الخميس ثانية فكان كذلك وخرج الباشا في صبح يوم الخميس وكسر السد وجرى واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة سنة 1228 وفي خامسه يوم الثلاثاء حضر ابن الباشا المسمى بإسمعيل من الديار الرومية ووصل إلى ساحل النيل بشبرا وضربوا لوصوله مدافع من القلعة وبولاق وشبرا والجيزة وتقدم أنه توجه ببشارة الحرمين وأكرمته الدولة وأعطوه أطواخًا‏.‏
وفي عاشره حضر قاصد من الديار الرومية ووصل إلى ساحل النيل وصحبته بشارة بمولودة ولدت لحضرة السلطان فعملوا الديوان في القلعة واجتمع له المشايخ والأعيان وأكابر الدولة وقرئ الفرمان الواصل ف شأن ذلك وفي مضمونه الأمر للكافة بالفرح والسرور وعمل الشنك وبعد الفراغ من ذلك ضربت المدافع من أبراج القلعة واستمر ضربها في كل وقت أذان خمسة أيام وهذا لم يعهد في الدولة الماضية إلا للأولاد الذكور وأما الإناث فليس لهن ذكر‏.‏
وفي ليلة الأربعاء سابع عشرينه عمل الباشا جمعية ببيت الأزبكية وحضر الأعيان والمشايخ والقضاة الثلاثة وهم بهجت أفندي المنفصل عن قضاء مصر وصديق أفندي المتوجه إلى قضاء مكة المنفصل عن قضاء مصر العام الذي قبله والقاضي المتوجه إلى المدينة فعقدوا عقد ابنه إسمعيل باشا على ابنة عارف بك التي حضرت بصحبته من الديار الرومية وعقدوا عقد أخته ابنة الباشا على محمد أفندي الذي تقلد الدفتردارية ولما تم ذلك قدموا لهم تعابي بقج في كل واحدة أربع قطع من الأقمشة الهندية وهي شال كشميري وطاقة قطني هندي وطاقة شاهي وفرقوا على الدون من الناس الحاضرين محارم ثم أن الباشا شرع في الاهتمام إلى سفر الحجاز وتشهيل المطاليب واللوازم فمن جملة ذلك أربعون صندوقًا من الصفيح المشمع داخلها بالشمع والمصطكي وبالخشب من خارج وفوق الخشب جلود البقر المدبوغ ليودع بها ماء النيل المغلي لشربه وشرب خاصته ومثلها في كل شهر يتقيد بعمل ذلك وغيره السيد المحروقي ويرسله في كل شهر‏.‏
واستهل شهر شوال بيوم الأحد سنة 1228 في سابعه يوم السبت أداروا كسوة الكعبة وكانت مصنوعة من نحو خمس سنوات ومودعة في مكان بالمشهد الحسيني فأخرجوها في مستهل الشهر وقد توسخت لطول المدة فحلوها ومسحوها وكان عليها اسم السلطان مصطفى فغيروه وكتبوا اسم السلطان محمود فاجتمع الناس للفرجة عليها وكان المباشر لها الريس حسن المحروقي فركب في موكبها‏.‏
وفي ليلة السبت رابع عشره خرج محمد علي باشا مسافرًا إلى الحجاز وكان خروجه وقت طلوع الفجر من يوم السبت المذكور إلى بركة الحاج وخرج الأعيان والمشايخ لوداعه بعد طلوع النهار فأخذوا خاطره ورجعوا آخر النهار وركب هو متوجهًا إلى السويس بعد مضي ثمان ساعات وربع من النهار وبرزتن الخيالة والسفاشية إلى خارج باب النصر ليذهبوا على طريق البر وقبل خروج الباشا بيومين قدمت هجانة مبشرون بالقبض على عثمان المضايفي بناحية الطائف وكان قد جرد على الطائف فبرز إليه الشريف غالب وصحبته عساكر الأتراك والعربان فحاربوه وحاربهم فأصيب جواده فنزل إلى الأرض واختلط بالعسكر فلم يعرفوه فخرج من بينهم ومشى وتباعد عنهم نحو أربع ساعات فصادفه جماعة من جند الشريف فقبضوا عليه وأصابته جراحة وعندما سقط من بين قومه ارتفع الحرب فيما بين الفريقين أخريات النهار ولما أحضروه إلى الشريف غالب جعل في رقبته الجنزير والمضايفي هذا زوج أخت الشريف وخرج عنه وانضم إلى الوهابيين فكان أعظم أعوانهم وهو الذي كان يحارب لهم ويقاتل ويجمع قبائل العربان ويدعوهم عدة سنين ويوجه السرايا على المخالفين ونما أمره واشتهر لذلك ذكره في الأقطار وهو الذي كان افتتح الطائف وحاربها وحاصرها وسبى النساء وهدم قبة ابن عباس الغريبة الشكل والوصف وكان هو المحارب للعسكر مع عربان حرب في العام الماضي بناحية الصفراء والجديدة وهزمهم وشتت شملهم ولما قبضوا عليه أحضروه إلى جدة واستمر في الترسيم عند الشريف ليأخذ بذلك وجاهة عند الأتراك الذي هو على ملتهم ويتحقق لديهم نصحه لهم ومسالمته إياهم وسيلقى قريبًا منهم جزاء فعله ووبال أمره كما سيتلى عليك بعضه بعد قليل‏.‏
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الثلاثاء سنة 1228 وفي أوائله وردت أخبار من الجهة الرومية بأن عساكر العثمانيين استولوا على بلاد بلغارد من أيدي طائفة الصرب وكانوا استولوا عليها نيفًا وأربعين سنة والله أعلم بصحة ذلك‏.‏
وفيه عزل محمود حسن من الحسبة وتقلدها عثمان آغا المعروف بالورداني‏.‏
وفي خامس عشره وصل عثمان المضايفي صحبة المتسفرين معه إلى الريدانية آخر الليل وأشيع ذلك فلما طلعت الشمس ضربوا مدافع من القلعة إعلامًا وسرورًا بوصوله أسيرًا وركب صالح بك السلحدار في عدة كبيرة وخرجوا لملاقاته وإحضاره فلما واجه صالح بك نزع من عنقه الحديد وأركبه هجينًا ودخل به إلى المدينة وأماه الجاويشية والقواسة الأتراك وبأيديهم العصي المفضضة وخلفه صالح بك وطوائفه وطلعوا به إلى القلعة وأدخله إلى مجلس كتخدا بك وصحبته حسن باشا وطاهر باشا وباقي أعيانهم ونجيب أفندي قبي كتخدا الباشا ووكيله بباب الدولة وكان متأخرًا عن السفر ينتظر قدوم المضايفي ليأخذه بصحبته إلى دار السلطنة فلما دخل عليهم أجلسوه معهم فحدثوه ساعة وهو يجيبهم من جنس كلامهم بأحسن خطاب وأفصح جواب وفيه سكون وتؤدة في الخطاب وظاهر عليه آثار الإمارة والحشمة والنجابة ومعرفة مواقع الكلام حتى قال الجماعة لبعضهم البعض يا أسفا على مثل هذا إذا ذهب إلى إسلامبول يقتلونه ولم يزل يتحدث معهم حصة ثم أحضروا الطعام فواكلهم ثم أخذه كتخدا بك إلى منزله فأقام عنده مكرمًا ثلاثًا حتى تمم نجيب أفندي أشغاله فأركبوه وتوجهوا به إلى بولاق وأنزلوه في السفينة مع نجيب أفندي ووضعوا في عنقه الجنزير وانحدروا طالبين الديار الرومية وذلك يوم الاثنين حادي عشرينه‏.‏
وفي أواخره وصلت أخبار بأن مسعود الوهابي أرسل قصادًا من طرفه إلى ناحية جدة فقابلوا طوسون باشا والشريف غالب خلع عليهم وأخذهم إلى أبيه فخاطبهم وسألهم عما جاؤوا فيه فقالوا الأمير مسعود الوهابي يطلب الإفراج عن المضايفي ويفتديه بمائة ألف فرانسة وكذلك يريد إجراء الصلح بينه وبينكم وكف القتال فقال لهم فإنه سافر إلى الدولة وأما الصلح فلا ناباه بشروط وهو أن يدفع لنا كل ما صرفناه على العساكر من أول ابتداء الحرب إلى وقت تاريخه وان يأتي بكل ما أخذه واستلمه من الجواهر والذخائر التي كانت بالحجرة الشريفة وكذلك ثمن ما استهلك منها وأن يأتي بعد ذلك ويتلاقى معي وأتعاهد معه ويتم صلحنا بعد ذلك وإن أبى ذلك فنحن ذاهبون إليه فقالوا له اكتب له جوابًا فقال لا أكتب جوابًا لأنه لم يرسل معكم جوابًا ولا كتابًا وكما أرسلكم بمجرد الكلام فعودوا إليه كذلك فلما أصبح الصباح وقت انصرافهم أمر باجتماع العساكر فاجتمعوا ونصبوا ميدان الحروب والرمي المتتابع من البنادق والمدافع ليشاهد الرسل ذلك ويروه ويخبروا عنه مرسلهم‏.‏
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الأربعاء سنة 1228 وفي ليلة الأحد تاسع عشره وقعت كائنة لطيف باشا وذلك أن المذكور مملوك الباشا أهداه له عارف بك وهو عارف أفندي بن خليل باشا المنفصل عن قضاء مصر نحو خمس سنوات واختص به الباشا وأحبه ورقاه في الخدم والمناصب إلى أن جعله أنختار أغاسي أي صاحب المفتاح وصار له حرمة زائدة وكلمة في باب الباشا وشهرة فلما حصلت النصرة للعسكر واستولوا على المدينة وأتوا بمفاتيح زعموا أنها مفاتيح المدينة كان هو المتعين بها للسفر للديار الرومية بالبشارة للدولة وأرسلوا صحبته مضيان الذي كان متأمرًا بالمدينة ولما وصل إلى دار السلطنة ووصلت أخباره احتفل أهل الدولة بشأنه احتفالًا زائدًا ونزلوا لملاقاته في المراكب في مسافة بعيدة ودخلوا إلى إسلامبول في موكب جليل وأبهة عظيمة إلى الغاية وسعت أعيان الدولة وعظماؤها بين يديه مشاة وركبانًا وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا وقتلوا مضيان المذكور في ذلك اليوم وعلقوه أعلى باب السراية وعملوا شنانك ومدافع وأفراحًا وولائم وأنعم السلطان على لطيف المذكور وأعطاه أطواخًا وأرسل إليه أعيان الدولة الهدايا والتحف ورجع إلى مصر في أبهة زائدة وداخله الغرور وتعاظم في نفسه ولم يحتفل الباشا بأمره وكذلك أهل دولته لكونه من جنس المماليك وأيضًا قد تأسست عداوتهم في نفوسهم وكراهتهم له أشد من كراهتهم لأبنائنا وخصوصًا كتخدا بك فإنه أشد الناس عداوة وبغضًا في جنس المماليك وطفق يلقي لمخدومه ما يغير خاطره عليه ومنها أنه يضم إليه أجناسه من المماليك البطالين ليكونوا عزوته ويغترون به بحيث أن الباشا فوض إليه الأمر إن ظهر منه شيء في غيابه وسافر الباشا في أثر ذلك واستمر لطيف باشا مع الجماعة في صلف وهم يحدقون عليه ويرصدون حركاته ويتوقعون ما يوجب الإيقاع به وهو في غفلة وتيه لا يظن بهم سوا فطلب من الكتخدا الزيادة في رواتبه وعلائفه لسعة دائرته وكثرة حواشيه ومصاريفه فقال له الكتخدا أنا لست صاحب الأمر وقد كان هنا ولم يزدك شيئًا فراسله وكاتبه فإن أمر بشيء فأنا لا أخالف مأمورياته وتزايد هو والحاضرون في الكلام والمفاقمة ففارقهم على غير حالة ونزل إلى داره وأرسل في العشية إلى مماليك الباشا ليحضروا إليه في الصباح ليعمل معهم ميدان رماحة على العادة وأسر إليهم أن يصبحوا ما خف من متاعهم وأسلحتهم فلما أصبحوا استعدوا كما أشار إليهم وشدوا خيولهم ووصل خبرهم إلى الكتخدا فطلب كبيرهم وسأله فأخبره أن لطيف باشا طلبهم ليعمل معهم رماحة فقال أن هذا اليوم ليس هو موعد الرماحة ومنعهم من الركوب وفي الحال أحضر حسن باشا وأحمد آغا المسمى بونابارته الخازندار وصالح بك السلحدار وإبراهيم آغا أغات الباب ومحو بك وخلافهم ودبوس أوغلي وإسمعيل باشا بن الباشا ومحمود بك الدويدار وتوافق الجميع على الإيقاع به وأصبحوا يوم السبت مجتمعين وقد بلغه الخبر وأخذوا عليه الطرق وأرسلوا يطلبونه للحضور في مجلسهم فامتنع وقال ما المراد من حضوري فنزل إليه دبوس أوغلي وخدعه فلم يقبل فركب وعاد إليه ثانيًا يأمره بالخروج من مصر إن لم يحضر مجلسهم فقال أما الحضور فلا يكون وأما الخروج فلا أخالف فيه بشرط أن يكون بكفالة حسن باشا أو طاهر باشا فإني لا آمن أن يتبعوني ويقتلوني وخصوصًا وقد أوقفوا بجميع الطرق ففارقه دبوس أوغلي فتحير في أمره وأمر بشد الخيول وأراد الركوب فلم يتسع له ذلك ولم يزل في نقض وإبرام إلى الليل فشركوا الجهات وأبواب المدينة أيضًا بالعساكر وكثر جمعهم بالقلعة وأبوابها وفي تاسع ساعة من الليل نزل حسن باشا ونحو بك في نحو الألفين من العسكر واحتاطوا بداره في سويقة العزى وقد أغلق داره فصاروا يضربون عليه بالبنادق والقرابين إلى آخر الليل فلما أعياهم ذلك هجموا على دور الناس التي حوله وتسلقوا عليه من الأسطحة ونزلوا إلى سطح داره وقتلوا من صادفوه من عسكره وأتباعه واختفى هو في مخبأة أسفل الدار مع ستة أشخاص من الجواري ومملوك واحد وعلم بمكانهم أغات الحريم فداروا في الدار يفتشون عليه فلم يجدوه فنهبوا جميع ما في الدار ولم يتركوا بها شيئًا وسبوا الحريم والجواري والمماليك والعبيد وكذلك ما حوله وما جاوره من دور الناس ودور حواشيه وهم نيف وعشرون دارًا حتى حوانيت الباعة وغيرهم التي بالخطة ودار علي كتخدا صالح الفلاح هذا ما جرى بتلك الناحية وباقي نواحي المدينة لا يدورون بشيء من ذلك إلا أنهم لما طلع نهار يوم الأحد وخرج الناس إلى الأسواق والشوارع وجدوا العساكر مائجة وأبواب البلد مغلقة وحولها العساكر مجتمعة ومنهم من يعدو ومعه شيء من المنهوبات فامتنع الناس من فتح الحوانيت والقهاوي التي من عادتهم التبكير بفتحها وظنوا ظنًا واستمر لطيف باشا بالمخبأة إلى الليل واشتد به الخوف وتيقن أن العبد الطواشي سينم عليه ويعرفهم بمكانه فلما أظلم الليل وفرغوا من النهب والتفتيش وخلا المكان خرج من المخبأة بمفرده ونط من الأسطحة حتى خلص إلى دار خازنداره وصحبته كبير عسكره وآخر يسمى يوسف كاشف دياب من بقايا الأجناد المصرية وباتوا بقية تلك الليلة ويوم الاثنين والكتخدا وأهل دولته يدأبون في الفحص والتفتيش عليه ويتهمون كثيرًا من الناس بمعرفة مكانه ومحمود بك داره بالقرب من داره أوقف أشخاصًا من عسكره على الأسطحة ليلًا ونهارًا لرصده وكان المذكور له اعتقادًا في شخص يسمى حسن أفندي اللبلبي ولبلب لفظ تركي علم على الحمص المجوهر أي المقلي ومن شأن حسن أفندي هذا أنه رجل درويش يدخل بيوت الأعيان والأكابر من الناس الأتراك وغيرهم وفي جيوبه من ذلك الحمص فيفرق على أهل المجلس منه ويلاطفهم ويضاحكهم ويمزح معهم ويعرف باللغة التركية ويجانس الفريقين فمن أعطاه شيئًا أخذه ومن لم يعطه لم يطلب منه شيئًا وبعضهم يقول له انظر ضميري أو فالي فيعد على سبحته أزواجًا وأفرادًا ثم يقول ضميرك كذا وكذا فيضحكون منه فوشى بحسن أفندي هذا إلى كتخدا بك وباقي الجماعة بأنه كان يقول لطيف باشا أنه سيلي سيادة مصر وأحكامها ويقول له هذا وقت انتهاز الفرصة في غيبة الباشا ونحو ذلك وجسموا الدعوى وأنه كان يعتقد صحة كلامه ويزوره في داره ورتب له ترتيبًا وأشاعوا أنه أراد أن يضم إليه أجناس المماليك والخاملين من العساكر وغيرهم ويعطيهم نفقات ويريد إثارة فتنة ويعتال الكتخدا بك وحسن باشا وأمثالهما على حين غفلة ويتملك القلعة والبلد وأن اللبلبي يغريه على ذلك وكل وقت يقول له جار وقتك ونحو ذلك من الكلام الذي المولى جل جلاله أعلم بصحبته فأرسل كتخدا بك إلى اللبلبي فحضر بين يديه في يوم الاثنين فسأله عنه فقال لا أدري فقال انظر في حسابك هل نجده أم لا فأمسك سبحته وعدها كعادته وقال إنكم تجدونه وتقتلونه ثم إن الكتخدا أشار إلى أعوانه فأخذوه ونزلوا به وأركبوه على حماره وذهبوا به إلى بولاق فأنزلوه في مركب وانحدروا به إلى شلقان وشلحوه من ثيابه وأغرقوه في البحر‏.‏
وفي ذلك اليوم عرفهم أغات حريم لطيف باشا بعد أن هددوه وقرروه عن محل أستاذه وأخبرهم أنه في المخبأة وأراهم المكان ففتحوه فوجدوا به الجواري الستة والمملوك ولم يجدوه معهم فسألوهم عنه فقالوا أنه كان معنا وخرج ليلة أمس ولم نعلم أين ذهب فأخرجوهم وأخذوا ما وجدوه في المخبأة من متاع وسروج ومصاغ ونفوذ وغير ذلك فلما كان بعد الغروب من ليلة الثلاثاء اشتد بلطيف باشا الخوف والقلق فأراد أن ينتقل من بيت الخازندار إلى مكان آخر فطلع إلى السطح وصعد على حائط يريد النزول منها هو ورفيقه البيوكباشي ليخلص إلى حوش مجاور لتلك الدار فنظرهما شخص من العسكر المرصد بأعلى سطح دار محمود بك الدويدار فصاح على القريبين منه لينتبهوا له فعندما صاح ضربه لطيف باشا رصاصة فأصابته وتنبهت المرصدون بالنواحي عند سماع الصيحة وبندقة الرصاصة وتسارعوا إليه من كل ناحية وقبضوا عليه وعلى ورفيقه وأتوا بهما إلى محمود بك فبات عنده ورمحت المبشرون إلى بيوت الأعيان يبشرونهم بالقبض عليه ويأخذون على ذلك البقاشيش فلما طلع نهار يوم الثلاثاء طلع به محمود بك إلى القلعة وقد اجتمع أكابرهم بديوان الكتخدا واتفقوا على قتله ووافقهم على ذلك إسمعيل ابن الباشا بما نمقوه عليه لأنه في الأصل مملوك صهره عارف بك فعندما وصل إلى الدرج قبض عليه الأعوان وهو بجانب محمود بك فقبض بيده على علاقة سيفه وهو يقول بالتركي عرظندايم يعني أنا في عرضك وماتت يده على قيطان السيف فأخرج بعضهم سكينًا وقطع القيطان وجذبوه إلى أسفل سلم الركوبة وأخذوا عمامته وضربه المشاعلي بالسيف ضربات ووقع إلى الأرض ولم ينقطع عنقه فكملوا ذبحه مثل الشاة وقطعوا رأسه وفعلوا برفيقه كذلك وعلقوا رؤوسهما تجاه باب زويلة طول النهار‏.‏ وفي


يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 04:57 PM   #135
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تااااااااابع

ثاني يوم وهو يوم الأربعاء ثاني عشرينه

أحضروا أيضًا يوسف كاشف دياب وقتلوه أيضًا عند باب زويلة وانقضى أمرهم والله أعلم بحقيقة الحال وفتح أهل الأسواق حوانيتهم بعد ما تخيل الناس بأنها ستكون فتنة عظيمة وان العسكر ينهبون المدينة وخصوصًا الكائنون بالعرضي خارج باب النصر فإنهم جياع وبردانون وغالبهم مفلس لأن معظمهم من الجدد الواردين الذين لم يحصل لهم كسب من نهب أو حادث واقع أدركوه ولولا أنهم أوقفوا عساكر عند الأبواب منعتهم من العبور لحصل منهم غاية الضرر‏.‏
وانقضت السنة وحوادثها التي ربما استمرت إلى ما شاء الله بدوامها وانقضائها فمنها أن الباشا لما فرغ من أمر الجهة القبلية بعدما ولى ابنه إبراهيم باشا عليها وحرر أراضي الصعيد وقاس جملة أراضيه وفدنه وضبطه بأجمعه ولم يترك منه إلا ما قل وضبط لديوانه جميع الأراضي الميرية والإقطاعات التي كانت للملتزمين من الأمراء والهوارة وذوي البيوت القديمة والرزق الأحباسية والسراوي والمتأخرات والمرصد على الأهالي والخيرات وعلى البر والصدقة وغير ذلك مثل مصارف الولاية التي رتبها أهلي الخير المتقدمون لأربابها رغبة منهم في الخير وتوسعة على الفقراء المحتاجين وذوي البيوت والدواوير المفتوحة المعدة إطعام الطعام للضيفان والواردين والقاصدين وأبناء السبيل والمسافرين فمن ذلك أن بناحية سهاج دار الشيخ عارف وهو رجل مشهور كأسلافه ومعتقد بتلك الناحية وغيرها ومنزله محط الرجال الوافدين والقاصدين من الأكابر والأصاغر والفقراء والمحتاجين فيقرى الكل بما يليق بهم ويرتب لهم التراتيب والاحتياجات وعند انصرافهم بعد قضاء أشغالهم يزودوهم ويهاديهم بالغلال والسمن والعسل والتمر والأغنام وهذا دأبه ودأب أسلافه من قبله على الدوام والاستمرار ورزقته المرصدة التي يزرعها وينفق منها ستمائة فدان فضبطوها ولم يسمحوا له منها إلا بمائة فدان بعد التوسط والترجي والتشفع وأمثال ذلك بجرجا وأسيوط ومنفلوط وفرشوط وغيرها وإذا قال المتشفع والمترجي للمتآمر ينبغي مراعاة مثل هذا ومسامحته لأنه يطعم الطعام وتنزل بداره الضيفان فيقول ومن كلفه بذلك فيقال له وكيف تفعل إذا نزلت به الضيوف على حسب ما اعتادوه فيقول يشترون ما يأكلون بدارهم من أكياسهم أو يغلقون أبوابهم ويستقلون بأنفسهم وعيالهم ويقتصدون في معايشهم فيعتادون ذلك وهذا الذي يفعلونه تبذير وإسراف ونحو ذلك على حسب حالهم وشأنهم في بلادهم ويقول الديوان أحق بهذا فإن عليه مصاريف ونفقات ومهمات ومحاربات الأعداء وخصوصًا افتتاح بلاد الحجاز ولما حضر إبراهيم باشا إلى مصر وكان أبوه على أهبة السفر إلى الحجاز حضر الكثير من أهالي الصعيد يشكون ما نزل بهم ويستغيثون ويتشفعون بوجهاء المشايخ وغيرهم فإذا خوطب الباشا في شيء من ذلك يعتذر بأنه مشغول البال واهتمامه بالسفر وأنه أناط أمر الجهة القبلية وأحكامها وتعلقاتها بابنه إبراهيم باشا وأن الدولة قلدته ولاية الصعيد فأنا لا علاقة لي بذلك وإذا خوطب ابنه أجابهم بعد المحاججة بما تقدم ذكره ونحو ذلك وإذا قيل له هذا على مسجد فيقول كشفت على المساجد فوجدتها خرابًا والنظار عليها يأكلون الإيراد والخزينة أولى منهم ويكفيهم أني أسامحهم فيما أكلوه في السنين الماضية والذي وجدته عامرًا أطلقت له ما يكفيه وزيادة وأني وجدت لبعض المساجد أطيانًا واسعة وهي خراب ومعطلة والمسجد يكفيه مؤذن واحد وأجرته نصفان وأمام مثل ذلك وأما فرشه وأسراجه فإني أرتب له راتبًا من الديوان في كل سنة فإذا تكرر عليه الرجاء أحال الأمر على أبيه ولا يمكن العود إليه لحركاته وتنقلاته وكثرة أشغاله وزوغانه ولما زاد الحال بكثرة المتشكين والواردين وبرز الباشا للسفر بل وسافر بالفعل فلم يمكث بعده ابنه إلا أيامًا قليلة يبيت بالجيزة نيلة وعند أخيه ببولاق ليلة أخرى ثم سافر راجعًا إلى الصعيد يتمم ما بقي عليه لأهله من العذاب الشديد فإنه فعل بهم فعل التتار عندما جالوا بالأقطار وأذل أعزة أهله وأساء أسوأ لسوء معهم في فعله فيسلب نعمهم وأموالهم ويأخذ أبقارهم وأغنامهم ويحاسبهم على ما كان في تصرفهم واستهلكوه أو يحتج عليهم بذنب لم يقترفوه ثم يفرض عليهم المغارم الهائلة والمقادير من الأموال التي ليست أيديهم إليها طائلة ويلزمهم بتحصيلها وغلاقها وتعجيلها فتعجز أيديهم عن الإتمام فعند ذلك يجري عليهم أنواع الآلام من الضرب والتعليق والكي بالنار والتحريق فإنه بلغني والعهدة على الناقل أنه ربط الرجل ممدودًا على خشبة طويلة وأمسك بطرفيها الرجال وجعلوا يقلبونه على النار المضرمة مثل الكباب وليس ذلك ببعيد على شاب جاهل سنه دون العشرين وحضر من بلده ولم ير غير ما هو فيه لم يؤدبه مؤدب ولا يعرف شريعة ولا مأمورات ولا منهيات وسمعت أن قائلًا قال له وحق من أعطاك قال ومن هو الذي أعطاني قال له ربك قال له إنه لم يعطني شيئًا والذي أعطاني أبي فلو كان الذي قلت فإنه كان يعطيني وأن ببلدي وقد جئت وعلى رأسي قبع مزفت مثل المقلاة فلهذا لم تبلغه دعوى ولم يتخلق إلا بأخلاق التي دربه عليها والده وهي تحصيل المال بأي وجه كان فأنزل بأهل الصعيد الذل والهوان فلقد كان به من المقادم والهوارة كل شهم يستحي الرئيس من مكالمته والنظر إليه بالملابس الفاخرة والأكراك السمور والخيول المسومة والأنعام والأتباع والجند والعبيد والأكمام الواسعة والمضايف والأنعامات والإغداقات والتصدقات وخصوصًا أكابرهم المشهورون وهمام وما أدراك ما همام وقد تقدم في ترجمته ما يغني عن الإعادة فخربت دور الجميع وتشتتوا وماتوا غرباء ومن عسر عليه مفارقة وطنه جرى عليه ما جرى على غيره وصار في عداد المزارعين وقد رأيت بعض بني همام وقد حضروا إلى مصر ليعرضوا حالهم على الباشا لعله يرفق بهم ويسامحهم في بعض ما ضبطه ابنه من تعلقاتهم يتعيشون به وهم أولاد عبد الكريم وشاهين ولدى همام الكبير ومعهم حريمهم وجواريهم وزوجة عبد الكريم ويقولون لها الست الكبيرة وهي أم أولاده فلما وصلوا إلى ساحل مصر القديمة ورأى أرباب ديوان المكس الجواري وعدتهن ثلاثة حجزوهن وطالبوهم بكمركهن فقالوا هؤلاء جوارنا للخدمة وليسوا مجلوبين للبيع فلم يعبئوا بذلك وقبضوا منهم ما قبضوه ثم أنهم لم يتمكنوا من الباشا وكان إذ ذاك قد توجه إلى الفيوم وعاد إلى العرضي مسافرًا إلى الحجاز فاستمروا بمصر حتى نفذت نفقاتهم ورأيتهم مرة مارين بالشارع وهم مخلقنون وفيهم صغير مراهق واتفق أنهم تفاقموا مع ابن عمهم وهو عمر وشكوه إلى مصطفى بك دالي باشا بأنه حاف عليهم في أشياء من استحقاقهم دعوى مفلس على مفلس فأحضره وحبسه مدة وما أدرى ما حصل لهم بعد ذلك وهكذا‏.‏
تخفض العالي وتعلى من سفل‏.‏
اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعم ونزول النقم‏.‏
وأما من مات في هذه السنة فمات الأستاذ الشهير والجهبذ النحرير الرئيس المفضل والفريد المبجل نادرة عصره ووحيد دهره الشيخ شمس الدين محمد أبو الأنوار ابن عبد الرحمن المعروف بابن عارفين سبط بني الوفاء وخليفة السادات الحنفاء وشيخ سجادتها ومحط رحال سيداتها وشهرته غنية عن مزيد الإفصاح ومناقبه أطهر من البيان والإيضاح وأمه السيدة صفية بنت الأستاذ جمال الدين يوسف أبي الإرشاد ابن وفا وتزوج بها الخواجا عبد الرحمن المعروف بعارفين فأولدها المترجم وأخاه الشيخ يوسف وكان أسن منه فتربى مع أخيه في حجر السيادة والصيانة والحشمة وقرأ القرآن وتولع بطلب العلم وحضر دروس أشياخ الوقت وتلقى طريقه أسلافه وأورادهم وأخرابهم عن خاله الأستاذ شمس الدين محمد أبو الإشراق ابن وفا عن عمه الشيخ عبد الخالق عن أبيه الشيخ يوسف أبي الإرشاد عن والده أبي التخصيص عبد الوهاب إلى آخر السند المنتهى إلى الأستاذ أبي الحسن الشاذلي ولازم العلامة القدوة الشيخ موسى البجيرمي فحضر عليه كما ذكره في برنامج شيوخه أم البراهين وشرح المصنف عليها والآجرومية وشرحها للشيخ خالد وشرح الستين مسألة للجلال المحلي وهو أول أشياخه ثم لازم الشيخ خليلًا المغربي فحضر عليه شرح إيساغوجي لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وشرح العصام على السمرقندية والفاكهي على القطر ومتن التوضيح والأشموني على الخلاصة ورسالة الوضع والمغنى وحضر دروس شيخ الشيوخ الشيخ أحمد الميجري الملوي في صحيح البخاري والشيخ عبد السلام علي الجوهرة وأجازه بمروياته ومؤلفاته الإجازة العامة وكذلك إجازة الشيخ أحمد الجوهري الشافعي إجازة عامة وإجازة خاصة بطريقة مولاي عبد الله الشريف ولازم وقرأ وشارك ولده الشيخ محمد الجوهري الصغير وحضر أيضًا دروس الأستاذ الحفني في شرح التلخيص للسعد التفتازاني وشرح التحرير لشيخ الإسلام وشرح الإلفية لابن عقيل والأشموني وحضر دروس الشيخ عمر الطحلاوي المالكي في شرح الآجرومية للشيخ خالد وشيئًا من شرح الهمزية للعلامة بن حجر وشيئًا من تفسير الجلالين والبيضاوي وحضر الشيخ مصطفى السندوبي الشافعي في شرح ابن القاسم الغزي علي أبي شجاع وعلي السيد البليدي في شرح التهذيب للخبيصي وعلى الشيخ عطية الأجهوري الشافعي في شرح الخطيب علي أبي شجاع وشرح التحرير لشيخ الإسلام وتفسير الجلالين وعلى الشيخ محمد الناري شرح السلم لمصنفه وشرح التحرير وعلى الشيخ أحمد القوصي شرح الورقات الكبير لابن قاسم العبادي وسمع المسلسل بالأولية من عالم أهال المغرب في وقته الشيخ محمد بن سودة التاودي الفاسي المالكي عند وروده مصر في سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف بقصد الحج وكتب له إجازة بخطه مع سنده وإجازة أيضًا بدلائل الخيرات وأحزاب الشاذلي وكذلك تلقي الإجازة من الأستاذ المسلك عبد الوهاب بن عبد السلام العفيفي المرزوقي وتلقى أيضًا أمام الحرم المكي الشيخ إبراهيم ابن الرئيس محمد الزمزمي الإجازة بالمسبعات واستجازه هو أيضًا بما لأسلافه من الأحزاب وكناه بأبي الفوز وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة وألف بمكة سنة حجة المترجم‏.‏
ولما مات السيد محمد أبو هادي وانقرضت بموته سلسلة أولاد الظهور وذلك في سنة ست وسبعين ومائة وألف وتاقت نفس المترجم لخلافة بيتهم وتهيأ لذلك ولبس التاج أيضًا والعصابة التي يجعلونها عليه فلم يتم له ذلك وعورض بسيدي أحمد بن إسمعيل بك المعروف بالدالي المكني بأبي الإمداد لأنه في طبقته في النسب وأمه السيدة أم المفاخر ابنة الشيخ عبد الخالق باتفاق أرباب الحل والعقد لكونه من بيت الأمارة وقد صار منزلهم كمنازل الأمراء في الاتساع والتأنق والمجالس المزخرفة والقيعان والقصور وفي ضمنه البستان بالنخيل والأشجار وما يجتنى منها من الفواكه والثمار لأن معظم الوجاهة والسيادة في هذه الأزمان بالمساكن الأنيقة والملابس الفاخرة وكثرة الإيراد والخدم والحشم خصوصًا إن اقترن بذلك شيء من المزايا المتعدية من بذل الإحسان وإكرام الضيفان فعند ذلك يصير ربه قطب الزمان وفريد العصر والأوان فلو فرضنا أن شخصًا اجتمعت فيه أوصاف الكمالات المحنوية والمعارف الدينية وخلا عما ذكر وكان صعلوكًا قليل المال كثير العيال فلا يعد في الرجال ولا يلتفت إليه بحال حكم إلهية وأحكام ربانية فلما تقلدها سيدي أحمد المذكور دون المترجم بقي متطلعًا يسلي نفسه بالأماني ثم قصد الحج في سنة تسع وسبعين كما ذكر فلما عاد من الحج تزوج بوالدة الشيخ محمد أبي هادي وأسكنها بمنزل ملاصق لدار الخليفة توصلًا وتقربًا لمأموله ولم تطل مدة الشيخ أبي الإمداد وتوفي سنة اثنتين وثمانين كما ذكرناه في ترجمته وعند ذلك لم يبق للمترجم معارض وقد مهد أحواله وتثبت أمره مع من يخشى صولته ومعارضته من الأشياخ وغيرهم ودفن السيد أحمد وركب المترجم في صبحها مع أشياخ الوقت والشيخ أحمد البكري وجماعة الحزب ونقبائهم إلى الرباط بالخرنفش ودخل إلى خلوة جدهم فجلس بها ساعة وقرأ أرباب الحزب وظيفتهم ثم ركب مع المشايخ إلى أمير البلدة وكان إذ ذاك علي بك فخلع عليه وركبوا إلى دارهم ومحل سيادتهم المعهودة وأصبح متقلدًا خلافة أسلافهم ومشيخة سجادتهم فكان لها أهلًا ومحلًا وتقدم على أخيه الشيخ يوسف مع كونه أسن منه لما فيه من زيادة الفضيلة ولما ثبطه به من مخادعته وسلامة صدر أخيه وحسن ظنه فيه وانتظم أمره وأحسن سلوكه بشهامة وحشمة ورآسة وتؤدة وأدب مع الأشياخ والأقران وتحبب إلى أرباب المظاهر والأكابر واستجلاب الخواطر وسلوك الطرائق الحميدة والتباعد عن الأمور المخلة بالمروءة والأخذ بالحزم والرفق مع الاشتغال في بعض الأحيان بالمطالعة والمذاكرة في المسائل الدينية والأدبية ومعاشرة الفضلاء ومجالستهم والمناقشة معهم في النكات واقتناء الكتب من كل فن كل ذلك مع الجد والتحصيل للأسباب الدنيوية وما يتوصل به إلى كثرة الإيراد بحسن تداخل وجميل طريقة مبعدة عما يخل بالمقدار بحيث يقضي مرامه من العظيم وجميل الفضل له ويراسل ويكاتب ويشاحح على أدنى شيء ويحاسب ولا يدفع لأرباب الأقلام عوائدهم المقررة في الدفاتر بل يرون أخذها منه من الكبائر وكذلك دواوين المكوس المبني على الإجحاف فكل ما نسب له فيها فهو معاف وكلما طال الأمد زاد المدد وخصوصًا إذا تقلبت الدول وارتفعت السفل كان الأسبق القديم في أعينهم هو الجليل العظيم وهم لديه صغار لا ينظر إليهم إلا بعين الاحتقار ولما انقرضت بقايا الشيوخ الذين كان يهابهم ويخضع لهم ويتأدب معهم وكانوا على طرائق الأقدمين في العفة والانجماع عما يخل بتعظيم العلم وأهله والتباعد عن بني الدنيا إلا بقدر الضرورة وخلف من بعدهم من هم على خلاف ذلك وهم أعاظم مدرسي الوقت فأحدقوا به وأكثروا من الترداد عليه وعلى موائده وبالغوا في تعظيمه وتقبيل يده ومدحوه بالقصائد البليغة طمعًا في صلاته وجائزه القليلة وحصول الشهرة لهم وزوال الخمول والتعارف بمن يتردد إلى داره من الأمراء والأكابر وزاد هو أيضًا وجهًا ووجاهة بمجالستهم ولا يريهم فضلًا بسعيهم إليه ويزداد كبرًا وتيهًا وبلغ به أنه لا يقوم لأكثرهم إذا دخل عليه ومنهم من يدخل بغاية الأدب فيضم ثيابه ويقول عند مشاهدته يا مولاي يا واحد فيجيبه هو بقوله يا مولاي يا دائم يا علي يا حكيم فإذا حصل بالقرب منه بنحو ذراعين حبا على ركبتيه ومد يمينه لتقبيل يده أو طرف ثوبه وأما الأدون فلا يقبل إلا طرف ثوبه وكذلك أتباعه وخدمه الخواص وإذا كان من أهل الذمة أو كبار المباشرين وقبلوا يده وخاطبهم في أشغاله وهم قيام وانصرفوا طلب الطست والإبريق وغسل يده بالصابون لإزالة أثر أفواههم ولا يجيب في رد التحية إلا بقول خير خير ولا يقطع غالب أوقاته مع مجالسيه وخاصته ومسامريه إلا بانتقاد أهل مصره وغيبة أهل عصره وتنبسط نفسه لذلك وإليه يصغى كلا إن الإنسان ليطغى وفي سنة تسعين ومائة وألف ورد إلى مصر عبد الرزاق أفندي رئيس الكتاب ومن أكابر أهل الدولة فتداخل معه واصطحب به وأهدى إليه هدايا واستدعاء وإضافة وحضر في ذلك العام محمد باشا المعروف بالعزتي واليًا على مصر فأنهى إليه بمعونة الرئيس المذكور احتياج زاوية أسلافه للعمارة ودعا الباشا لزيارة قبورهم في يوم المولد المعتاد السنوي وذكر له المقصود وأظهر به بعض الخلل وزين له ذلك الفعل وأنه من تمام الشعائر الإسلامية والمشاهد التي يجب الاعتناء بشأنها والسعي والطواف بحرمها وكان المعين والسفير والمساعد في ذلك أيضًا شيخنا محدث العصر السيد محمد مرتضى وهو عند العثمانيين مقبول القول وكان عبد الرزاق الرئيس يتلقى عنه المسلسلات والإجازات وقرأ عليه مقامات الحريري فأجاب الباش ووعد بإتمام ذلك وكاتب الدولة وورد الأمر بإطلاق خمسين كيسًا لمصرف العمارة من خزينة مصر فشرع في هدم حوائطها ووسعها عن وضعها الأصلي واندرس في جدرانها قبور ومدافن وحوطها وزخرفها بالنقوش وأنواع الرخام الملون والمموه بالذهب والأعمدة والرخام ثم كاتب الدولة وأنهى أن ذلك القدر لم يكف وأن العمارة لم تكمل والإحسان بالإتمام فأطلقوا له خمسين كيسًا أخرى وأتمها على هذا الوضع الذي هو عليه الآن وأنشأ حولها مساكن ومخادع ووسع القصر الملاصق لها المختص به لجلوسه ومواضع الحريم أيام المولد ثم أرسل في أثر ذلك كتخداه ووزيره الشيخ إبراهيم السندوبي إلى دار السلطنة بمكاتبات وعرض لرجال الدولة والتمس رفع ما على قرية زفتا وغيرها مما في حوزه من الالتزام من المال الميري الذي يدفع إلى الديوان في كل سنة وكان إبراهيم المذكور غاية في الدهاء والحيل الساسانية والتصنعات الشيطانية والتخليطات الوهمية وتقلبات الملامية فتمم مرامه بما ابتعه من المخرقة والإيهامات الملفقة ولم يدفع ما جرت به العادة من العوائد بل اجتلب خلاف ذلك فوائد ولما حضر حسن باشا الجزايرلي إلى مصر على رأس القرن وخرج الأمراء المصريون إلى الجهة القبلية واستباح أموالهم وقبض على نسائهم وأولادهم وأمر بإنزالهم سوق المزاد وبيعهم زاعمًا أنهم أرقاء المال وفعل ذلك فاجتمع الأشياخ وذهبوا إليه فكان المخاطب له المترجم قائلًا له أنت أتيت إلى هذه البلدة وأرسلك السلطان إلى إقامة العدل ورفع الظلم كما تقول أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم فقال هؤلاء أرقاء لبيت المال فقال له هذا لا يجوز ولم يقل به أحد فاغتاظ غيظًا شديدًا وطلب كاتب ديوانه وقال له اكتب أسماء هؤلاء وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره فقال له السيد محمود البنوفري أكتب ما تريد بل نحن نكتب اسمانا بخطنا فأفحم وانكف عن إتمام قصده وأيضًا تتبع أموالهم وودائعهم وكان إبراهيم بك الكبير قد أودع عند المترجم وديعة وكذلك مراد بك أودع عند محمد أفندي البكري وديعة وعلم ذلك حسن باشا فأرسل عسكرًا إلى السيد البكري فلم تسعه المخالفة وسلم ما عنده وأرسل كذلك يطلب من المترجم وديعة إبراهيم بك فامتنع من دفعها قائلًا أن صاحبها لم يمت وقد كتبت على نفسي وثيقة فلا أسلم ذلك ما دام صاحبها في قيد الحياة فاشتد غيظ الباشا منه وقصد البطش به فحماه الله منه ببركة الأنصار للحق فكان يقول لم أر في جميع الممالك التي ولجتها من اجترأ على مخالفتي مثل هذا الرجل فإنه أحرق قلبي ولما ارتحل إلى مصر ورجع المصريون إلى دولتهم حصل من مراد بك في حق السيد البكري ما حصل وغرمه مبلغًا عظيمًا باع فيه إقطاعه في نظير تفريطه في وديعته واحتج عليه بامتناع نظيره وحصل له قهر تمرض بسببه وتسلسل به المرض حتى مات ويقال أن مراد بك أرسل إليه الحكيم ودس له السم في العلاج ثم مات رحمه الله وكانت منه هفوة ولا بد للجواد من كبوة ومن لم ينظر في العواقب فليس له الدهر بصاحب حتى قيل أنه هو الذي عرف حسن باشا عن ذلك لينال به زيادة في الحظوة عنده ويترك منها حصة لنفسه بقرينة ما ظهر عليه في عقب ذلك من التوسع ولقد غلب على ظنه بل وظن غالب الناس انقراض المصريين وغفلوا عن تقلبات الدهر في كل حين وأما المترجم فإنه لما أخذ بالحزم سلم ورد الأمانة إلى صاحبها حين قدم وحسنت فيهم سيرته وزادت عندهم محبته وفي عقب ذلك نزل السيد محمد أفندي البكري المذكور عن وظيفة نظر المشهد الحسيني للمترجم وأرسل إليه بصندوق دفاتر الوقف وكان نظر المشهد يبيتهم مدة طويلة ووعده المترجم بأن يبدله عنه وظيفة النظر على وقف الشافعي فلما حصل الفراغ واحتوى على الدفاتر نكث وطمع على الوظيفتين بل ومد يده إلى غيرهما لعدم من يعارضه ولا يدافعه من الأمراء وغيرهم مثل نظر المشهد النفيسي والزيتي وباقي الأضرحة الكثيرة الإيراد التي يصاد بها الدنيا من كل ناد وتأتيها الخلائق بالقربانات وأنواع النذورات وأخذ يحاسب المباشرين وخدمة الأضرحة المذكورة على الإيرادات والنذورات ويحاققهم على الذرات ويسبهم ويهينهم ويضربهم بالجريد المحمص على أرجلهم وفعل ذلك بالسيد بدوي مباشر المشهد الحسيني وهو من وجهاء الناس الذين يخشى جانبهم ومشهور ومذكور في المصر وغيره وكان معظم انقباض السيد البكري ونزوله عن نظر المشهد ضيق صدره من المذكور ومناكدته له واستيلاءه على المحل ومحصول الوقف والتقصير في مصارفه اللازمة وينسب التقصير للناظر وكان رحمه الله عظيم الهمة يغلب عليه الحياء والمسامحة ويرى خلاف ذلك من سفاسف الأمور فتنصل من ذلك وترك فعله لغيره فلما أوقع المترجم بالسيد بدوي وباقي عظماء السدنة ما أوقع انقمع الباقون وذلوا وخافوه أشد الخوف ووشوا على بعضهم البعض وطفق يطالبهم بالنذور والشموع والأغنام والعجول وما يتحصل من صندوق الضريح من المال وكانوا يختصون بذلك كله وأقلهم في رفاهية من العيش وجمع المال مع السفالة والشحاذة حتى من الفقير المعدم المفلس والكسرة الناشفة وكان إذا أراد الإيقاع بشخص أو إهانته وخشي عاقبة ذلك أو لو ما يلحقه ممن ينتصر له مهد له الطريق سرًا قبل الإيقاع به فإنه لما أراد ضرب السيد بدوي طاف على الشيخ العروسي وأمثاله وأسرهم ما في نفسه وامتدت يده أيضًا إلى شهود بيت القاضي فكان إذا بلغه أن أحدهم كتب حجة استبدال وإجارة مكان مدة طويلة لناظر أم مستحق وكان ذلك المكان يؤول بعد انقراض مستحقيه لضريح من الأضرحة التي تحت نظره أحضر ذلك الكاتب ووبخه ولعنه ولربما ضربه وأبطل تلك المكاتبة ومحاها من سجل القاضي أو يصالحونه على تنفيذ ذلك مع أنها لا تؤول إلى تلك الجهة إلا بعد سنين وأعوام متطاولة وقد نص علماء الشرع على أن الوقف والنذر للقبور والأضرحة باطل فإن قيل بصحته على الفقراء قلنا أن سدنة هذه الأضرحة ليسوا بفقراء بل هم الآن أغنى الناس والفقراء حقيقة خلافهم من أولاد الناس الذين لا كسب لهم والكثير من أهل العلم الخاملين والذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ولما استولى المترجم على وظيفة نظر المشهد الحسيني قهر السيد بدوي المباشر المذكور وأخذ دار سكنه شرقي المسجد وأخرجه منها وهدمها وأنشأها دارًا لنفسه ينزل بها أيام المولد المعتاد ويأتي إليها في كل جمعة أو جمعتين ولما تم بناؤها ونظامها وقرب وقت أيام المولد انتقل إليها بخدمه وحريمه وتقدم إليها حكام الشرطة بأمر الناس والمناداة على أهل الأسواق والحوانيت بالسهر بالليل ووقود السرج والقناديل خمس عشرة ليلة المولد وكان في السابق ليلة واحدة وأحدثوا في تلك الليالي سيارات وجمعيات وطبولًا وزمورًا ومناور ومشاعل وجمع خلائق من أوباش العالم الذين ينتسبون إلى الطرائق كالأحمدية والسعدية والشعيبية ويتجاوبون في وسط الطبول بألفاظ مستهجنة ينادون بها مشايخ طرقهم بكلمات وعبارات تشمئز منها الطباع وأمرهم بان يمروا من تحت داره ودعا أمراء البلدة في ظرف تلك الأيام متفرقين ودعا عابدين باشا يوم المولد ولما سكن بتلك الدار وهي قبالة الميضاة والمراحيض فكان يتضرر من الرائحة فقصد إبطالها من تلك الجهة فاشترى دارًا قبلي المسجد وهي بجانب حائط المسجد الجنوبية الفاصلة بينها وبين المسجد وأدخل منها جانبًا في المسجد وزاد فيه مقدار باكية وجعلها مرتفعة عن أرض المسجد درجة لتمتاز عن البناء القديم وجعل به محرابًا وخلفه خلوة يسلك إليها من باب بصدر الليوان المذكور إلى فسحة لطيفة أمام الخلوة وبالخلوة شباك مطل على الليوان الصغير الذي بقبة الضريح وأنشأ فيما بقي من الدار ميضاة ومراحيض وفتح لها بابًا من داخل المسجد من آخره بجانب باب السبيل وأبطل الميضاة القديمة لانحراف مزاجه وتأذيه من رائحتها وعبور الناس من داخل وخارج إلى هذه الجديدة وأتت عليها عدة أيام ففاحت الروائح على المصلين ومن بالمسجد وما انضاف إلى ذلك أيضًا من البلل والتقذير من أرجل الأوباش لقربها من المسجد فلغط الناس ومن يحضر في أوقات الصلاة من أتراك خان الخليلي والتجار وشنعوا القالة وقاموا قومة واحدة وأغلقوا الباب وأبطلوا تلك الميضاة ومنعوا من دخولها وساعدهم المتصوفون من أجناسهم فانكسف بال المترجم لذلك ولم يمكنه تنفيذ فعله وأعاد الميضاة القديمة كما كانت وجعل المستجدة مربطًا للحمير يستغل أجرته بعد أن أزال تلك الميضاة ومحا أثر ذلك وكان بناء هذه الزيادة سنة ست بعد المائتين ثم زاد في منزل سكنهم زيادة من ناحية البركة المعروفة ببركة الفيل خلف البستان أخذ في تلك الزيادة مقدارًا كبيرًا من أرض البركة وأنشأ مجلسًا مربعًا متسعًا مطلًا على البركة من جهتيه وبوسطه عامود من الرخام وبلط دور قاعته بالرخام وجعل به مخدعًا وخارجه فسحة كبيرة وشبابيكها مطلة على البركة وصارت القاعة القديمة المعروفة بالغزال الملتفت بابها في ضمن الفسحة وبها باب القيطون وسمى هذه المنشية الأسعدية وبتلك الفسحة باب يدخل منه إلى منافع ومرافق ثم عن له التغيير والتبديل لأوضاع البيت من ناحية أخرى فهدم الساتر على القاعة الكبيرة وفسحتها وهي التي يسمونها بأم الأفراح وهي من إنشاء الشيخ أبي التخصيص وهي أعظم المجالس التي بدارهم مزخرفة بالنقوش الذهب والقيشاني الصيني بجميع حيطانها والرخام الملون وبها الفسقية والسلسبيل والقمريات الملونة فكشف حائطها وأدخل فسحتها في رحبة الحوش وهدم القاعة الأخرى التي كان يصعد إليها بسلم من الفسحة الأخرى وأبطل الحواصل التي أسفلها وساواها بالأرض وعمل بها فسقية بالرخام ومرافقها من داخلها وبها باب يتوصل منه إلى الحريم وسماها الأنوارية نسبة لكنيته وأمامها فسحة عظيمة ديوان بدكك وكراسي بجانب البستان وبها الطرقة والدهليز الممتد بوسط البستان الموصل إلى القاعة المسماة بالغزال والأسعدية وهدم المقعد القديم الذي به العامود وقناطره وما كان بظاهر الحاصل المسمى بحاصل السجادة من الحواصل السفلية وجعله مسجدًا يصلي فيه الجمعة وجعل فيه منبرًا للخطبة وذلك لبعد المساجد الجامعة عن داره وتعاظمه عن السعي الكثير والاختلاط بالعامة وأخذ قطعة وافرة من بيت كتخدا الجاويشية وسع بها البستان وغرس بها الأشجار والرياحين والثمار وأفنى غالب عمره في تحصيل الدنيا وتنظيم المعاش والرفاهية واقتناء كل مرغوب للنفس وشراء الجواري والمماليك والعبيد والحبوش والخصيان والتأنق في المآكل والمشارب والملابس واستخراج الأدهان والعطريات المفرحة والمنعشة للقوة وتعاظم في نفسه وتعالى على أبناء جنسه حتى أنه ترفع على لبس التاج وحضور المحيا بالأزهر ليلة المعراج وكذا الحضور في مجلس وردهم الذي هو محل عزهم وفخرهم وصار يلبس قاووقًا بعمامة خضراء تسبها بأكابر الأمراء وبعدا عن التشبه بالمتعممين والفقهاء والمقرئين ولما طالت أيامه وماتت أقرانه والذين كان يستحي منهم ويهابهم وتقلبت عليه الدول واندرجت أكابر الأمراء وتأمر أتباعهم ومماليكهم الذين كانوا يقومون على أقدامهم بين يدي مخاديمهم وأسيادهم جلوس بالأدب مع المترجم لا جرم كانت هيبته في قلوبهم أعظم من أسلافهم واستصغاره هو لهم كذلك فكان يصدعهم بالكلام وينفذ أمره فيهم ويذكر الأمير الكبير بقوله ولدنا الأمير فلان وحوائجه عندهم مقضية وكلامه لديهم مسموع وشفاعته مقبولة وأوامره نافذة فيهم وفي حواشيهم وحريماتهم واتفق أن بعض أعاظم المباشرين من الأقباط توقف معه في أمر فأحضره ولعنه وسبه وكشف رأسه وضربه على دماغه بزخمة من الجلد ولم يراع حرمة أميره وهو إذا ذاك أمير البلدة ولما شكا إلى مخدومه ما فعل به قال له ما تريد أن أصنع بشيخ عظيم ضرب نصرانيًا فرحم الله عظامهم‏.‏
واتفق أيضًا أن جماعة من أولاد البلد ووجهائها اجتمعوا ليلة بمنزل بعض أصحابهم وتباسطوا فأخذ بعضهم يسخر ويقلد بعض أصحاب المظاهر فوشى للمترجم مجلسهم وأنهم أدرجوه في سخريتهم فتسماهم وأحضرهم واحد بعد واحد وعزرهم بالضرب والإهانة فكان كل قليل يقع في بيته الضرب والإهانة لأفراد من الناس وكذلك فلاحو الحصص التي حازها والتزم بها فإنه زادني خراجهم عن شركائه ويفرض عليهم زيادات ويحبسهم عليها شهورًا ويضربهم بالكرابيج وبالجملة فقد قلب الوضع وغير الرسم المطبوع بعد أن كان منزلهم محل سلوك ورشاد وولاية واعتقاد فصار كبيت حاكم الشرطة يخافه من غلط أدنى غلطة ويتحاماه الناس من جميع الأجناس وجلساؤه ومرافقوه لا يعارضونه في شيء بل يوافقونه ولا يتكلمون معه إلا بميزان وملاحظة الأركان ويتأدبون معه في رد الجواب وحذف كاف الخطاب ونقل الضمائر عن وضعها في غالب الألفاظ بل كلها حتى في الآثار المروية والأحاديث النبوية وغير ذلك من المبالغات وتحسين العبارات والوصف بالمناقب الجليلة والأوصاف الجميلة حتى أن السيد حسينًا المنزلاوي الخطيب كان ينشئ خطبًا يخطب بها يوم الجمعة التي يكون المترجم حاضرًا فيها بالمشهد الحسيني وبزاويتهم أيام المولد ويدرج فيها الإطراء العظيم في المترجم والتوسل به في كشف المهمات وتفريج الكروب وغفران الذنوب حتى أني سمعت قائلًا يقول بعد الصلاة لم يبق على الخطيب إلا أن يقول اركعوا واسجدوا واعبدوا شيخ السادات ولما قدمت الفرنساوية إلى الديار المصرية في أوائل سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف لم يتعرضوا له في شيء وراعوا جانبه وأفرجوا عن تعلقاته وقبلوا شفاعاته وتردد إليه كبيرهم وأعاظمهم وعمل لهم ولائم وكنت أصاحبه في الذهاب إلى مساكنهم والتفرج على صنائعهم ونقوشهم وتصاويرهم وغرائبهم إلى أن حضر ركب العثمانيين في سنة خمسة عشرة وحصلت بينهم المصالحة على انتقال الفرنساوية من أرض مصر ورجوعهم إلى بلادهم على شروط اشترطوها بينهم وبين وزير الدولة العثمانية‏.‏
ومنها حسابات تدفع إليهم وأخرى تخصم عليهم وظن المترجم وخلافه إتمام الأمر والارتحال لا محالة فعند ذلك لحقه الطمع فذكر مصلحة دفعها لكاتب جيشهم في نظير الإفراج عن تعلقاته وأرسل يطلبها من بوسليك مدبر الجمهور وكذلك ما قبضه ترجمانه فقال هذه عوائد لا بد منها ودخلت في حساب الجمهور وتغير خاطرهم منه وكانت منه هفوة ترتب عليها بينهم وبينه الجفوة ولما انتقض الصلح وحصلت المفاقمة ووقعت المحاربة في داخل المدينة وتترست العساكر الإسلامية وأهل البلد في النواحي والجهات وانقطع الجالب عن أهل البلد مدة ستة وثلاثين يومًا التزم أغنياء الناس وأصحاب المظاهر الإطعام والإنفاق على المحاربين والمقاتلين في جهتهم ونواحيهم والتزم المترجم كغيره الإنفاق على من حوله فلما انقضت أيام المحاربة وانتصر الفرنساوية ورجع الوزير ومن معه إلى جهة الشام منهزمين فعند ذلك انتقم الفرنساوية من المبارزين لهم بأخذ المال بدلًا عن الأرواح وقبضوا على المترجم وحبسوه وأهانوه أيامًا وفرضوا عليه قدرًا عظيمًا من المال قام بدفعه كما ذكرنا ذلك مفصلًا في محله وقيل أن الذي زاد الفرنساوية إغراء به مراد بك حين اصطلح معهم وعمل لهم ضيافة ببر الجيزة وسببه أنه لما دهمت الفرنساوية وطلعوا الإسكندرية ووصل الخبر إلى مصر اجتمع الأمراء بالمساطب وطلبوا المشايخ ليشاوروا في هذا الحادث فتكلم المترجم وخاطبهم بالتوبيخ وقال كل هذا سوء فعالكم وظلمكم وآخر أمرنا معكم ملكتمونا للإفرنج وشافه مراد بك وخصوصًا بأفعالك وتعديك أنت وأمرائك على متاجرهم وأخذ بضائعهم وإهانتهم فحقدها عليه وكتمها في نفسه حتى اصطلح مع الفرنساوية وألقى إليهم ما ألقاه ففعلوا ما ذكر وذلك في ثاني يوم الضيافة فلما رجع العثمانية في السنة الثانية إلى مصر بمعونة الإنكليز وصاروا بالقرب من المدينة حبسوا المترجم مع من حبس بالقلعة من أرباب المظاهر خوفًا من إحداثهم فتنة بالبلدة ومات ولده الذي كان سماه محمدًا نور الله وهو معوق ومميوع فأذنوا له في حضور جنازة ولده فنزل وصحبته شخص حرسي منهم فلازمه حتى واراه وعاد به ذلك الحرسي إلى القلعة وكان هذا الولد مراهقًا له من العمر اثنتا عشرة سنة كان في أمله أن يكون هو الخليفة في بيتهم بعده ويأبى الله إلا ما يريد ولما انفصل الأمر وارتحل الفرنساوية من أرض مصر ودخل إليها يوسف باشا الوزير ومن معه تقدم المترجم يشكو إليه حاله وما أصابه وادعى الفقر والإملاق مع أن الفرنساوية لم يحجزوا عنه شيئًا من تعلقاته وإيراده وجعل شكواه وما حصل له سلمًا للإفرنج عن جميع تعلقاته وإيراده من غير حلوان كغيره من الناس وزاد على ذلك أشياء ومطالب ومسامحات ودعا الوزير إلى داره وأفراد رجال الدولة الذين بيدهم مقاليد الأمور وعاد إلى حالته في التعاظم والكبرياء وارتحل الوزير بعد استقرار محمد باشا خسرو على ولاية مصر وكان سموحًا وكذلك شريف أفندي الدفتردار فرمح في غفلتهما واستكثر في التحصيل والإيراد إلى أن تقلبت الأحوال وعادت للمصريين في سنة ثمان عشرة ثم خروجهم وما وقع من الحوادث التي تقدم ذكرها واستقر محمد علي باشا وثبتت قدمه بمعونة العامة والسيد عمر مكرم بمملكة مصر وشرع في تمهيد مقاصده فكان السيد عمر يمانعه فدبر على إخراجه من مصر وجمع المشايخ وأحضر المترجم وخلع عليه وقلده النقابة واخرج السيد عمر من مصر منفيًا إلى دمياط وذلك في سنة أربع وعشرين كما تقدم ووافق فعله ذلك عرض المترجم بل ربما كان بمعونته لحقده الباطني على السيد عمر وتشوفه إلى النقابة وادعائه أنها كانت ببيتهم لكون الشيخ أبي هادي تولاها أيامًا ثم تولاها بعده أبو الإمداد ثم نزل عنها لمحمد أفندي البكري الكبير فلم يزل في نفس المترجم التطلع لنقابة الإشراف ويصرح بقوله أنها من وظائفنا القديمة وأحضر بها مرسومًا من دار السلطنة وأخفاه ولم يظهره مدة حياة محمد أفندي البكري الكبير فلما مات وتقلدها ولده محمد أفندي ادعاها وأظهر المرسوم وشاع خبر ذلك فاجتمع الجم الغفير من الأشراف بالمشهد الحسيني ممانعين وقائلين لا نرضاه نقيبًا ولا حكمًا علينا فلم يتم مراده فلما توفي محمد أفندي الصغير ظن أنه لم يبق له فيها منازع فلا يشعر إلا وقد تقلدها السيد عمر بمعونة مراد بك وإبراهيم بك لصحبته معهما ومرافقته لهما في الغربة حين كان المصريون بالصعيد فسكت على ضغن وغيظ يخفيه تارة ويظهره أخرى وخصوصًا وهو يرى أن السيد عمر في ذلك دون ذلك بكثير فلما خرج الفرنساوية ودخل الوزير إلى مصر وصحبته السيد عمر متقلدًا للنقابة كما كان وانفصل عنها السيد خليل البكري وارتفع شأن السيد عمر وزاد أمره بمباشرة الوقائع وولاية محمد علي باشا وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهي والمرجع في الأمور الكلية والجزئية والمترجم يحقد عليه في الباطن ويظهر له خلافه وهو ولكنني أخشاه وهو يخافني فيخفي ويبدو بيننا البغض والود فلما أخرج الباشا السيد عمر وتقلد المترجم النقابة وبلغ مأموله عند ذلك أظهر الكامن في نفسه وصرح بالمكروه في حق السيد عمر ومن ينتمي إليه أو يواليه وسطر فيه عرضًا محضرًا إلى الدولة نسب إليه أنواعًا من الموبقات التي منها أنه أدخل جماعة من الأقباط في الأشراف وقطع أناسًا من الشرفاء المستحقين وصرف راتبهم للأقباط المدخلين ومنها أنه تسبب في خراب الإقليم وإثارة الفتن وموالاة البغاة المصريين وتطميعهم في المملكة حتى أنه وعدهم بالهجوم على البلدة يوم قطع الخليج في غفلة الباشا والناس والعساكر وأنه هو الذي أغرى المصريين على قتل علي باشا برغل الطرابلسي حين قدم واليًا على مصر وهو الذي كاتب الإنكليز وطمعهم في البلاد مع الألفي حين حضروا إلى إسكندرية وملكوها ونصر الله عليهم العساكر الإسلامية وغير ذلك من عبارات عكس القضية وتمنيق الأغراض النفسانية وكتب الأشياخ عليه خطوطهم وطبعوا تحتها ختومهم ما عدا الطحطاوي الحنفي فإنه تنحى عن الشرور وامتنع من شهادة الزور فأوسعوه سخطًا ومقتًا وعزلوه من الأفتا وقد تقدم خبر ذلك في حوادث سنة أربع وعشرين وإنما المعنى بإعادة ذلك لك هنا تتمة لترجمة المشار إليه وحذار من نقصها النسيان لأكثر جملها فلو سلمت الفكرة من النسيان لفاقت سيرته كان وكان وفي سنة ست وعشرين أنشأ دارًا عظيمة بجانب المنزل وصرف جملًا من المال وأنشأ بها مجالس وقاعات ورواشن ومنافع ومرافق وفساقي وأنشأ فيها بستانًا غرس فيه أنواع الأشجار المثمرة وأدخل به ما حازه من دور الأمراء المتخربة وكان السيد خليل البكري اشترى دارًا بدرب الفرن وذلك بعد خروج الفرنساوية وخمول أمره وعزله من مشيخة البكرية والنقابة وأنشأ بها بستانًا أنيقًا وأنشأ قصرًا برسم ولده مطلًا على البستان فلما توفي السيد خليل تعدى على ولده سيدي أحمد وقهره وأخذ منه ذلك البستان بأبخس الأثمان وخلطه ببستان الدار الجديد وبنى سوره وأحاطه وأقام حائطًا بينه وبين دار المذكور وطمسها وأعماها وسدت الحائط شبابيك ذلك القصر وأظلمته ولم يزل كلما طال عمره زاد كبره وقل بره وتعدى شره ولما ضعفت قواه تقاعد عن القيام لأعاظم الناس إذا دخل عليه محتجًا بالإعياء والضعف ولازم استعمال المنعشات والمركبات المفرحة ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر‏.‏ وفي

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 04:59 PM   #136
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااااااابع

شهر شوال من السنة التي توفي فيها أحضر ابن أخيه سيدي أحمد

الذي تولى المشيخة بعده وألبسه خلعة وتاجًا وجعله وكيلًا عنه في نقابة الأشراف وأركبه فرسًا بعباءة وأرسله إلى الباشا صحبة سيدي محمد المعروف بأبي دفية وأمامه جاويشية النقابة على العادة فلما دخلا إلى الباشا وعرفه المرسول بأن عمه أقامه وكيلًا عنه فقال مبارك فأشارك إليه أن يلبسه خلعة فقال ان موكله ألبسه ولم يتقلدها بالأصالة ولو كنت قلدته أنا كنت أخلع عليه وألبسه فقال ونزل إلى داره التي أسكنه بها عمه وهي الدار التي عند المشهد الحسيني وحضر إليه الناس للسلام والتهنئة وفي هذه السنة أيضًا عن للمترجم أن يزيد في المسجد الحسيني زيادة مضافة لزيادته الأولى التي كان زادها في سنة ست ومائتين وألف فهدم الحائط التي كان بناها الجنوبية وأدخل القطعة التي كان عمل بها الميضاة وزاد باكية أخرى وصف عواميد وصارت مع القديمة ليوانًا جديدًا وشرع في بناء دار عظيمة لينزل فيها وقت مجيئه هناك في أيام المولد وغيره عوضًا عن الدار التي نزل عنها لابن أخيه فتكون هذه بعيدة عن روائح الميضاة القديمة وتكون بالشارع وتمر من تحتها مواكب الأشاير ولا يحتاجون إلى تعديهم المسجد ودخولهم من طريق باب القبة وجعل بالحائط الفاصل بين الزيادة والدار المستجدة شبابيك مطلة على المسجد لينظر منها المجالس والوقودات من يكون بالدار من الحريم وغيرهم فما هو إلا وقد قرب إتمام ذلك إلا وقد زاد به الإعياء والمرض وانقطع عن النزول من الحريم وتمت الزيادة ولم يبلق إلا إتمام الدار فيستعجل ويشتم المشد والمهندس وينسب إليهم إهمال استحثاث العمال ويقول قد قرب المولد ولم تكمل الدار فأين نجلس أيام المولد هذا كل يوم يزيد مرضه وتورمت قدماه وضعف عن الحركة وهو يقول ذلك ويؤمل الحياة فلما زاد به الحال وتحقق الرحيل إلى مغفرة المولى الجليل أوصى لأتباعه بدارهم ولذي الفقار الذي كان كتخدا الألفي والآن في خوالة بستان الباشا الذي بشبرا بخمسمائة ريال لكون زوجته خشداشة حريمه هما من جواري إسمعيل بك الكبير وليكون معينًا لها ومساعدًا في مهماتها ولسيدي محمد أبي دفية مثلها في نظير خدمته وتقيده وملازمته له وأوصى أن لا يغسل إلا على سريره الهندي الذي كان ينام عليه في ليكون مخالفًا للناس حتى في حال الموت فلما كان يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول من السنة انقضى نحبه وتوفي إلى رحمة الله تعالى وقت العصر وبات بالمنزل ميتًا فلما أصبح يوم الاثنين غسل وكفن كما أوصى على السرير وخرجوا بجنازته من المنزل ووصلوا بها إلى الأزهر فصلى عليه بعد ما أنشد المنشد مرثية من إنشاء العلامة الشيخ حسن العطار وجعل براعة استهلالها الإشارة إلى ما كان عليه المترجم من التعاظم والتفاخر فقال‏:‏ سلام على الدنيا فقد ذهب الفخر ثم حمل إلى مشهد أسلافه بالقرافة ودفن في التربة التي أعدها لنفسه بجانب مقام جدهم وتقلد مشيخة سجادتهم في ذلك اليوم الشيخ أحمد بن الشيخ يوسف وهو ابن عمه وعصبته وكنيته أبو الإقبال بإجماع من الخاص والعام وجلس هو وأخوه سيدي يحيى لتلقي العزاء وفي الصباح حضر إلى الرباط بالخرنفش وكان بزاوية الرباط المذكور خلوة جدهم أقام بها حين حضر من الغرب إلى مصر وعادتهم إذا تولى شخص منهم المشيخة لا بد أن يأتي في الصباح ويدخل الخلوة فيجلس بها حصة لطيفة فيتروحن وتلبش الولاية فلما كان المترجم هدم حائط تلك الخلوة زاعمًا أنه خاتمة أوليائه وأنه لم يأتي من يصلح للمشيخة سواه وكأنه أخذه بذلك عهدًا وميثاقاُ ولم يعلم أن ربه لم يزل خلاقًا وأن الولاية ليست بفعل العبد ولا بالسعي والقصد قال تعالى في محكم آياته الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقال سبحانه إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وإن أولياءه إلا المتقون نسأله التوفيق والهدايا والحفظ على أسباب الغواية ولما كان القديمة حضر المتولي وصحبته أشياخ الوقت والسيد محمد المحروقي وجماعة الحزب وغيرهم من المتفرجين وقد جعلوا على محل الخلوة سائرًا بدل الحائط المهدوم ودخل المتولي خلفها وقرأ جماعة الحزب شيئًا من القرآن ثم قام النقيب مع الشيخ البكري فتلقوا الشيخ فخرج على الحاضرين متطيلسًا وصافحهم وركب بصحبتهم إلى القلعة فخلع عليه كتخدا بك خلعة سمور ونزلوا إلى زاويتهم بالقرافة وأمامهم جماعة الحزب وجاويشية النقابة فجلسوا حصة وقرؤوا أحزابهم ثم ركب ورجع إلى المنزل وجلس مع أخيه لعمل المأتم والقراءة الجمعية على العادة وأرسل كتخدا بك ساعيًا يخبر موته إلى الباشا بالفيوم لأنه لما سافر إلى جهة قبلي ووصل إلى ناحية بني سويف ركب بغلة سريعة العدو وركب خلفه خواصه بالهجن والبغال فوصلها في أربع ساعات وانقطع أكثر المتوجهين معه ومات منهم سبعة عشر هجينًا رجع الساعي بعد ثلاثة أيام بجواب الرسالة ومضمونها عدم التعرض لورثة المتوفي حتى يقدم الباشا من غيبته فبقي الأمر على السكوت أربعة عشر يومًا وحضر الباشا ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر فبمجرد وصوله إلى الجيزة أرسل بالختم على منزلهم فما يشعرون إلا وحسين كتخدا الكتخدا بك وبيت المال واصل إليهم ومعهم آخرون فختموا على المجالس التي بالحريم ومجلس الجلوس الرجالي ختموا على خزائنه وقبضوا على الكاتب القبطي المسمى عبد القدوس والفراش وحبسوهما وعدى الباشا من ليلته إلى بر مصر وطلع إلى القلعة فركب إليه في صبحها المشايخ وصحبتهم ابن أخي المتوفي وهو الذي تولى المشيخة فخاطبوه وقالوا له كلامًا معناه أن بيوت الأشياخ مكرمة ولم تجر العادة بالختم على أماكنهم وخصوصًا أن هذا المتوفي كان عظيمًا في بابه وأنتم أخبر به وكان لكم به مزيد عناية ومراعاة فقال نعم أني لا أريد إهانة بيتهم ولا أطمع في شيء مما يتعلق بمشيختهم ولا وظائفهم القديمة ولا يخفاكم أن المتوفي كان طماعًا وجماعًا للمال وطالت مدته وحاز التزامات وإقطاعات وكان لا يحب قرابته ولا يخصهم بشيء بل كتب ما حازه لزوجته وهي جارية نهاية ثمنها ألفا قرش أو أقل أو أكثر ولم يكتب لأولاد أخيه شيئًا فلا يصح أن أمه تختص بذلك كله والخزينة أولى به لاحتياجات مصاريف العساكر ومحاربة الخوارج واستخلاص الحرمين وخزينة السلطان وأنا أرفع الختم رعاية لخواطركم فدعوا له وقاموا إلى مجلس الكتخدا وخلع على الشيخ المتولي فروة سمور أخرى قلد السيد محمد الدواخلي نقابة الأشراف وخلع عليه فروة سمور عوضًا عن سيدي أحمد أبي الإقبال المتولي على خلافة السادات فانفصل من النقابة ونزلت الجاويشية ولوازم النقابة مثل باش جاويش والكاتب أما الدواخلي وخلفه وقلد السيد المحروقي نظارة المشهد الحسيني عوضًا عن المتوفي وكان فراغ بها لابن أخيه فلم ينفذ الباشا ذلك وفي ثاني يوم حضر الأعوان إلى بيت السادات وفكوا الختوم وطلبوا سقاء الحريم فأخذوه معهم وأوجعوه بالضرب وأحضروا البناء وسألوهما عن محل الخبايا ثم رجعوا إلى المنزل ففتحوا مخبأة مسدودة بالبناء فوجدوا بها قوالب مساند قطيفة غير محشوة ووجدوا نحاسًا وقطنًا وأواني صيني فتركوا ذلك وذهبوا وأبقوا بالدار عدة من العسكر فباتوا بها ثم رجعوا في ثالث يوم وفتحوا مخبأة أخرى فوجدوا بها أكياسًا مربوطة فظنوا بداخلها المال ففتحوها فوجدوا بها بن قهوة وبغيرها صابون وشموع عسل ولم يجدوا شيئًا من المال فتركوا تلك الأشياء ونزلوا إلى قاعة جلوسه وفتحوا خزانة فوجدوا بها نقودًا فعدوها وحصروها فبلغت مائة وسبعة وعشرين كيسًا فأخذوها ثم سعى السيد محمد المحروقي في مصالحة الباشا حتى قرر عليهم ألف كيس وخمسين كيسًا وخمسة أكياس براني لبيت المال وخصموا منها الذي وجدوه بالخزانة وطولبوا بالباقي وذلك بعد التشديد والتهديد على الزوجة وتوعدها بالتغريق في البحر إن لم تظهر المال وأمر الكاتب بحساب إيراده ومصرفه في كل سنة وما صرفه في الأبنية وينظر ما يتبقى بعد ذلك في مدة سنين ماضية فلم يزل السيد محمد المحروقي يدافع ويسعى حتى تقرر القدر المذكور والتزم هو بدفعه وحولت عليه الحوالات وضبط الباشا حصص الالتزام التي كتبت باسم الزوجة ومنها قلقشندة بالقليوبية وسوادة ودفرانية بالجهة القبلية وغير ذلك وبعد انقضاء عدة الزوجة استأذن السيد المحروقي الباشا في عقد نكاحها على ابن أخي المتوفي الذي هو السيد أحمد أبو الإقبال الذي تولى خلافة بيتهم فأذن بذلك فحضر في الحال وأجرى العقد بعد أن حكمت عليه بطلاق التي في عصمته وهي جاريتها زوجته في حياة عمه ورزق منها أولاد واستقر المشار إليه في المنزل خليفة وشيخًا على سجادتهم وسكن معه أخوه سيدي يحيى زادهما الله توفيقًا وخيرًا واتفاقًا وأشرق نجم المتصدر على أفق السعادة إشراقًا فهو أبو الإقبال المتحلي بالجمال والكمال في المهد ينطق عن سعادة جده أثر النجابة واضح البرهان أن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت إن سيزيد في اللمعان‏.‏
ومات الشيخ الناسك محمد بن عبد الرحمن اليوسي المغربي ورد إلى مصر وحج ورجع ونزل بدار الحاج مصطفى الهجين العطار منجمعًا عن خلطة الناس والسعي على طريقة حميدة ومذاكرة حسنة ويأتي إليه الناس يزورونه ويتبركون به ويسألونه الدعاء ويستفهمون منه مسائل فجيب كل إنسان بما ينسر منه بتواضع وانكسار وتزهيد في الدنيا وتمرض سنينًا وتوفي يوم الثلاثاء عشرين المحرم وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بجانب الخطيب الشربيني بتربة المجاورين وهي القرافة الكبرى‏.‏
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين وألف استهل المحرم بيوم الجمعة فيه في ليلة الجمعة ثامنه وردت مكاتبات من الديار الحجازية وفيها الأخبار بأن الباشا قبض على الشريف غالب أمير مكة وقبض على أولاده الثلاثة وأربعة عبيد طواشية من عبيده وأرسلهم إلى جدة وأنزلهم في مركب من مراكبه وهي واصله بهم والذي وصل في مركب صغير تسمى السبحان سبقتهم في الحضور إلى السويس وأخبروا أيضًا في المكاتبة أنه لما قبض عليهم أحضر يحيى ابن الشريف سرور وقلده الأمارة عوضًا عن عمه غالب وقبضوا أيضًا على وزيره الذي بجدة وأصحبوه معهم وقلد مكانه في الكمارك شخصًا من الأتراك يسمى علي الوجاقلي فلما وصل الهجان بهذه المكاتبة إلى السيد محمد المحروقي ليلًا ركب من وقته إلى كتخدا بك في بيته وأطلعه على المكاتبات فلما طلع النهار نهار يوم الجمعة ضربوا عدة مدافع من القلعة إعلامًا وسرورًا بذلك‏.‏
وفيه احتفل كتخدا بك بعمل مهم أيضًا لزواج إسمعيل باشا ابن محمد علي باشا ومحمد بك الدفتردار على ابنة الباشا وإسماعيل باشا على ابنة عارف بم ابن خليل باشا التي أحضرها صحبته من إسلامبول وقد ذكر العقد عليهما في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من السنة الماضية قبل توجه الباشا إلى الحجاز فألزم كتخدا بك السيد محمد المحروقي بتنظيم الفرح والاحتياجات واللوازم واتفقوا على ان يكون نصبة الفرح ببركة الأزبكية تجاه بيت حريم الباشا وطاهر باشا تعمل الولائم واجتماع المدعوين ببيت طاهر باشا والمطبخ بخرائب بيت الصابونجي وأرسلوا أوراق التنابيه للمدعوين على طبقات الناس بالترتيب ونصبوا بوسط البركة عدة صواري لأجل الوقدات والقناديل التي تعمل عليها التصاوير من القناديل فترى من البعد صورة مركب أو سبعين متقابلين أو شجرة أو محمل على جمل أو كتابة مثل ما شاء الله ونحو ذلك وصفوا بوسط البركة عدة مدافع صفين متقابلين ونصب بهلوان الحبل حبله أوله من تجاه بيت الباشا وآخره برأس المنارة التي جهة حارة الفوالة خلف رصيف الخشاب حيث الأبنية المتخربة في الحوادث الماضية بالقرب من القشلة وعمارات محمد باشا خسرو التي لم تكمل وبهلوان آخر شامي بالناحية الأخرى وانتقل السيد محمد المحروقي من داره إلى بيت الشرايبي تجاه جامع أزبك لأجل مباشرة المهمات فلما أصبح يوم السبت وهو يوم الابتداء ودعوة الأشياخ رتبوهم فرقتين فرقة تأني ضحوة النهار وأخرى بعد العصر واجتمع بالأزبكية أصناف أرباب الملاعيب والمغزلكين والجنباذية والحببظية والحواة والقرداتية والرقاصين والبرامكة وغير ذلك أصناف وأشكال فاحتفلت وأقبل من كل ناحية أصناف الناس رجال ونساء وأقارب وأباعد وأكابر وأصاغر وعساكر وفلاحون ويهود ونصارى وأروام لأجل التفرج حتى ازدحمت الطرق الموصلة إلى الأزبكية من جميع النواحي بأصناف الناس الذاهبين والراجعين والمترددين واستمر ضرب المدفع من ليلة السبت المذكور إلى ليلة الجمعة التالية الأخرى ليلًا ونهارًا والحرائق والنفوط والسواريخ في الليل ولعبت أرباب الملاعيب والبهلوانات على الحبال وكذلك احتفل النصارى وعملوا وقدات وحراقات تجاه حاراتهم ومساكنهم وصادف ذلك عيد الميلاد وعملوا لهم مراجيح وملاعيب‏.‏
وفي أثناء ذلك وقع التنبيه على أصحاب الحرف والصنائع بعمل عربات مشكلة وممثلة بحرفتهم وصنائعهم ليمشوا بها في زفة العروس فاعتنى أهل كل حرفة وصناعة بتنميق وتزيين شكله وتباهوا وتناظروا وتفاخروا على بعضهم البعض فكان كل من سولت له نفسه وحدثه الشيطان بأحدث شيء فعله وذهب إلى المتعين لذلك فيعطيه ورقة لأن ذلك لم يكن لأناس مخصوصة أو عدد مقدر بل بتحكماتهم وإلزام بعضهم البعض فيفرض رئيس الحرفة على أشخاص أهلها فرائض ودراهم يجمعها منهم وينفقها على العربة وما يلزمها من أخشاب وحبال وحمير أو خيل أو رجال يسحبونها وما يكتريه أو يستعيره لزينتها من المزركشات والمقصبات والطليعات وأدوات الصنعة التي تتميز بها عن غيرها فتصير في الشكل كأنها حانوت والبائع جالس فيها كالحلواني وأمامه الأواني فيها أنواع الحلو والسكري وحوله أواني الملبس وأقماع السكر معلقة حوله والشربات والشربتلي والعطار والحريري والعقاد البلدي والرومي والزيات والحداد والنجار والخياط والقزاز والحباك والنشار وهو ينشر الخشب بمنشاره المعلق والطحان والفران وعه الفرن وهو يخبز فيه والفطاطري والجزار وحوله لحم الغنم ومثله جزار الجاموس والكبابجي والنيفاوي وقلاء الجبن والسمك والجيارين والجباسين بالبحر والثور يدور به وهو ماش بالعربة والبناء والمبلط والمبيض النحاس وللبناء والسمكري تتمته إحدى وتسعون عربة وفيهم حتى المراكبي في قنجة كبيرة كامل العدة والقلوع تمشي على الأرض على العجل خلاف أربع عربات المختصة بالعروس فلما كان يوم الأربعاء سحبوا تلك العربات وانجروا بمواكبهم وطبولهم وزمورهم وأمام كل عربة أهل حرفتها وصناعتها مشاة خلف الطبول والزمور وهم مزينون بالملابس وملابسهم الفاخرة وأكثرها مستعارة فكانوا ينزلون إلى البركة من ناحية باب الهواء ويمون من تحت بيت الباشا إلى ناحية رصيف الخشاب ويأتي كبير الحرفة بورقته إلى المتعين لملاقاتهم فينعم عليه بخلعة ودراهم فيعطي البعض شال كشميري وألفين فضة والبعض طاقة تفصيلة قطني أو أربعة أذرع جوخ على قدر مقام الصنعة وأهلها واستمر مرورهم من أول النهار إلى بعد الغروب واصطفوا بأسرهم عند رصيف الخشاب ولما أصبح يوم الخميس رتبوا مرور الزفة وعيت لترتيبها أشخاصًا ومنهم السيد محمد درب الشمسي وهو كبير المنظمين وكان خروجها من بيت الحريم وهو الذي كان سكن الشيخ خليل البكري وذهبوا وانجروا على طريق الموسكي على تحت الربع إلى باب زويلة إلى الغورية إلى بين القصرين إلى سوق مرجوش إلى باب الحديد إلى بولاق إلى سراية إسمعيل باشا التي جددوها قبلي بولاق قريبًا من الشون فلم تصل إلى منزلها إلا عند الغروب وكان في أول الزفة طائفة من العسكر الدلاة ثم والي الشرطة ثم المحتسب ثم موكب أغات الينكجرية وبعدهم المساخر والنقاقير وعدتها عشرة نقاقير وعلى كل نقارة تفصيلة ثم العربات المذكورة وفيها أيضًا تجار الغورية وطائفة تجار خان الخليلي في موكب حفل وتجار الحمزاوي من نصارى الشوام وغيرهم وكان يومًا مشهودًا اجتمعت فيه الخلائق للفرجة في طرقها حتى طريق بولاق واكترى الناس الأماكن المطلة على الشارع والحوانيت بأغلى الأثمان ولما وصلت العروس إلى قصرها ضربوا عدة مدافع من بولاق والأزبكية والجيزة وكان العزم على المهم الثاني والابتداء فيه من يوم السبت الذي بعد الجمعة فرسموا بتأخيره إلى الجمعة الأخرى لتأخر أم العريس ومن يصحبها من النساء وأقمن ببولاق تلك الجمعة واستمرت قصبة الصواري والحبال والآلات على حالها بالأزبكية‏.‏
وفي يوم الأحد سابع عشره وصل السيد غالب شريف مكة إلى مصر القديمة وقد أتت به السفينة من القلزم إلى مرساة ثغر القصير فتلقاه إبراهيم باشا وحضر صحبته إلى قنا وقوص ثم ركب النيل بمن معه من أولاده وعبيده والعسكر الواصلين صحبته وحضر إلى مصر القديمة فلما وصل الخبر إلى الكتخدا بك ضربوا عدة مدافع من القلعة إعلامًا بوصوله وإكرامًا على حد قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم ركب صالح بك السلحدار وأحمد آغا أخو كتخدا بك في طائفة لملاقاته وإحضاره وهيئوا له مكانًا بمنزل أحمد آغا أخي كتخدا بك بعطفة ابن عبد الله بك بخط السروجية لينزل فيه وانتظره الكتخدا هناك وصحبته بونابارته الخازندار ومحمود بك ومحو بك وإبراهيم أغا أغات الباب والسيد محمد المحروقي فلما وصل إلى الدار نزل الكتخدا والجماعة ولاقوه عند سلم الركوبة وقبلوا يده ولزم الكتخدا بيده تحت إبطه حتى صعد إلى محل الجلوس الذي أعدوه له واستمر الكتخدا قائمًا على قدميه حتى أذن له في الجلوس هو وباقي الجماعة وعرفه الكتخدا عن السيد محمد المحروقي فتقدم وقبل يده فقام له وسلم عليه وجلس بحذاء الكتخدا ليترجم عنه في الكلام ويؤانسوه ويطمنوا خاطره ثم أن الكتخدا اعتذر له باشتغاله بأحوال الدولة واستأذنه في الذهاب إلى ديوانه وعرفه أن أخاه ينوب عنه في الخدمة ولوازمه فقبل عذره وقام منصرفًا هو وباقي الجماعة ما عدا السيد محمد المحروقي ومحمود بك فإن الكتخدا أمرهما بالتخلف عنده ساعة فجلسا معه وتغديا صحبته ومعه أولاده الثلاثة وعبيده ثم انصرفا إلى منزلهما ولم يأذن الكتخدا لأحد من الأشياخ أو غيرهم من التجار بالسلام عليه والاجتماع به والذي بلغنا في كيفية القبض عليه أنه لما ذهب الباشا إلى مكة واستمر هو وابنه طوسون باشا مع الشريف غالب على المصادقة والمسالمة والمصافاة وجدد معه العهود والإيمان في جوف الكعبة بأن لا يخون أحد صاحبه وكان الباشا يذهب إليه في قلة وهو الآخر يأتي إليه وإلى ابنه واستمروا على ذلك خمسة عشر يومًا من ذي القعدة دعاه طوسون باشا إليه فأتى إليه كعادته في قلة فوجد بالدار عساكر كثيرة فعندما استقر به المجلس وصل عابدين بك في عدة وافرة وطلع إلى المجلس فدنا منه وأخذ الجنبية من حزامه وقال له أنت مطلوب للدولة فقال سمعًا وطاعة ولكن حتى أقضي أشغالي في ظرف ثلاثة أيام وأتوجه فقال لا سبيل إلى ذلك والسفينة حاضرة في انتظارك فحصل في جماعة الشريف وعبيده رجة وصعدوا على أبراج سرايته وأرادوا الحرب فأرسل إليهم الباشا يقول لهم عن وقع منكم حرب أحرقت البلدة وقتلت أستاذكم وأرسل لهم أيضًا الشريف يكفهم عن ذلك وكان بها أولاده الثلاثة فحضر إليهم الشيخ أحمد تركي وهو من خواص الشريف وخدمهم وقال لهم لم يكن هناك بأس وإنما والدكم مطلوب في مشاورة مع الدولة ويعود بالسلامة وحضرة الباشا يريد أن يقلد كبيركم نيابة عن أبيه إلى حين رجوعه ولم يزل حتى انخدع كبيرهم إلى كلامه وقاموا معه فذهب بهم إلى محل خلاف الذي به والدهم محتفظًا بهم وفي الوقت أحضر الباشا الشريف يحيى بن سرور وهو ابن أخي الشريف غالب وخلع عليه وقلده أمارة مكة ونودي في البلدة باسمه وعزل الشريف غالبًا حسب الأوامر السلطانية واستمر الشريف غالب أربعة أيام عند طوسون باشا ثم أركبوه وأصحبوا معه عدة من العسكر وذهبوا به وبأولاده إلى بندر جدة وأنزلوهم السفينة وساروا بها إلى ناحية القصير من صعيد مصر وحضر كما ذكر‏.‏
وفي يوم الأربعاء وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده مثالان فعمل كتخدا بك ديوانًا في صبحية يوم الخميس حادي عشرينه وقرئ ذلك وهما مثالان يتضمن أحدهما التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر على السنة الجديدة والثاني الأخبار والبشارة باستيلاء العثمانيين على بلاد الصرب ولما فرغوا من قراءتهما ضربوا عدة مدافع من القلعة وفي عصرية ذلك اليوم حضر حريم الباشا من بولاق إلى الأزبكية في عربات فضربوا لحضورهن مدافع من الأزبكية وشرعوا في عمل المهم الثاني لابنة الباشا علي الدفتردار وافتتحوا ذلك من ليلة السبت على النسق المتقدم وعملوا العزائم والولائم واحتفلوا زيد من المهم الأول وأحضروا الشريف غالبًا وأعدوا له مكانًا بيت الشرايبي على حدته هو وأولاده ليتفرجوا على الملاعيب والبهلوانات نهارًا والشنك والحراقات ليلًا وعلى الشريف وأولاده الحرس ولا يجتمع بهم أحد على الوجه والصورة التي كانوا عليها بالمنزل الذي أنزلوا فيه فلما كان يوم الأربعاء اجتمع أرباب العربات وأصحابها وقد زادوا عن الأولى خمسة عشر عربة وفيهم معمل الزجاج وباتوا بنواحي البركة على النسق المتقدم ونصبوا لهم خيامًا تقيهم من البرد والمطر لأن الوقت شات ولما أصبح يوم الخميس انجرت العربات وموكب الزفة من ناحية باب الهواء على قنطرة الموسكي على باب الخرق على درب الجماميز وعطفوا من الصليبة على المظفر على السروجية على قصبة رضوان بك على باب زويلة على شارع الغورية على الجمالية على سوق مرجوش على بين السورين على الأزبكية على باب الهواء إلى المنزل الذي أعدوه لها وهو بيت ابن إسمعيل بك وهي بنت إبراهيم بك وكانت متزوجة بإسمعيل بك ولما مات تزوج بها مملوكه محمد أغا ويعرف بالألفي وقد تولى أغاوية مستحفظان في هذه الدولة واعتنى بهذا الدار وعمر بها مكانين بداخل الحريم وزخرفها ونقشها نقشًا بديعًا صناعة صناع العجم واستمروا في نقشها سنتين ولما ماتت المذكورة في أوائل هذه السنة واستمر هو ساكنًا فيها وأنزل الباشا عنده القاضي المنفصل عن قضاء مصر المعروف ببهجة أفندي وقاضي مكة صادق أفندي حين حضر من إسلامبول ثم أمره الباشا بالخروج منها وإخلائها لأجل أن يسكن ابنته هذه المزفوفة فخرج منها في أوائل شوال وكذلك سافر القاضيان إلى الحجاز بصحبة الباشا وعند ذلك بيضوها وزادوا في زخرفتها وفرشوها بأنواع الفرش الفاخرة ونقلوا إليها جهاز العروس والصناديق وما قدم إليها من الهدايا والأمتعة والجواهر والتحف من الأعيان وحريماتهم حتى من نساء الأمراء المصريين المنكوبين وقد تكلفوا فوق طاقتهم وباعوا واستدانوا وغرموا في النقوط والتقادم والهدايا في هذين المهمين ما أصبحوا به مجردين ومديونين وكان إذا قدمت إحدى المشهورات منهن هديتها عرضوها على أم العروسين التي هي زوجة الباشا فقلبت ما فيها من المصاغ المجوهر والمقصبات وغيرها فإن أعجبتها تركتها وإلا أمرت بردها قائلة هذا مقام فلانة التي كانت بنت أمير مصر أو زوجته فتتكلف المسكينة للزيادة ونحو ذلك مع ما يلحقها من كسر الخاطر وانكساف البال ثم أدخلوا العروس إلى تلك الدار عندما وصلت بالزفة‏.‏
ومما حصل أنه قبل مرور موكب الزفة بيومين طاف أصحاب الشرطة ومعهم رجال وبأيديهم مقياس فكلما مروا بناحية أو طريق يضيق عن القياس هدموا ما عارضهم من مساطب الدكاكين أو غيرها من الجهتين لاتساع الطريق لمرور العربات والملاعيب وغيرها فأتلفوا كثيرًا من الأبنية ونودي في يوم الأربعاء بزينة الحوانيت والطرق التي تمر عليها الزفة بالعروس ومما حصل من الحوادث السماوية أن في يوم الخميس المذكور عندما توسطت الزفة في مرورها بوسط المدينة أطبق الجو بالغيام وأمطرت السماء مطرًا غزيرًا حتى تبخرت الطرق وتوحلت الأرض وابتلت الخلائق من النساء والرجال المجتمعين للفرجة وخصوصًا الكائنين بالسقائف وفوق الحوانيت والمساطب وأما المتعينون للمشي في الموكب ولا بد الذين لا مفر لهم من ذلك ولا مهرب فاختل نظامهم وابتلت ثيابهم وتكدرت طباعهم وانتقضت أوضاعهم وزادت وساوسهم وتلفت ملابسهم وهطل الغيث على الإبريسم والحرير والشالات الكرخانة والسليمي والكشمير وما زينت به العربات من أنواع المزركش والمقصبات ونفذت على من بداخلها من القيان والأغاني الحسان وكثير من الناس وقع بعدها تزحلق وصار نوبه بالوحل أبلق ومنهم من ترك الزفة وولى هاربًا في عطفه يمسح يديه في الحيط بما تلطخ بها من الرطريط وتعارجت الحمير وتعثرت البياجير وانهدم تنور الزجاج ولم ينفع به العلاج وتلف للناس شيء كثير ولا يدفع قضاء الله حيلة ولا تدبير ولم تصل العروس إلى دارها إلا قبيل دنو الشمس من غروبها وعند ذلك انجلى الجو وانكشفت بيوت النو ووافق ذلك اليوم ثالث عشر طوبه من شهور القبط المحسوبة وحصل بذلك الغيث العميم النفع لمزارع الغلة والبرسيم‏.‏
وفيه وردت مكاتبات من العقبة فيها الأخبار بوصول قافلة الحج صحبة المحمل وأميرها مصطفى بك دالي باشا‏.‏
وفي يوم الجمعة تاسع عشرينه وصل كثير من الحجاج الأتراك وغيرهم وردوا في البحر إلى بندر السويس ووصل تابع قهوجي باشا وأخبر عنه أنه فارق مخدومه من العقبة ونزل في مركب مع أم عابدين بك وحضر إلى السويس‏.‏ واستهل

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 05:00 PM   #137
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااااااابع

شهر صفر بيوم الأحد سنة 1229

مما وقع في ذلك اليوم من الحوادث أن صناع البارد الكائنين بباب اللوق حملوا نحو عشرة أحمال من الجمال أوعية ملآنة بارودًا وهي الظروف المصنوعة من الجلود التي تسمى البطط يريدون بها القلعة فمروا من باب الخرق إلى ناحية تحت الربع فلما وصلوا تجاه معمل الشمع وبصحبة الجمال شخص عسكري فتشاجر مع الجمال ورد عليه القول فحنق منه فضربه بفرد الطبنجة فأصابت إحدى البطط فالتهبت بالنار وسرت إلى باقي الأحمال فالتهب الجميع وصعد إلى عنان السماء فاحترقت السقيفة المطلة على الشارع وما بناحيتها من البيوت والذم أسفلها من الحوانيت وكذلك من صادف مروره في ذلك الوقت واحترق ذلك العسكري والجمال فيمن احترق واتفق مرور امرأة من النساء المحتشمات مع رفيقتها فاحترقت ثيابها مع رفيقتها وذهبت تجري والنار ترعى فيها وكانت دارها بالقرب من تلك الناحية فيما وصلت إلى الدار حتى احترق ما عليها من الثياب واحترق أكثر جسدها ووصلت الأخرى بعدها وهي محترقة وعريانة فماتت من ليلتها ولحقتها الأخرى في ضحوة اليوم الثاني ومات في هذه الحادثة أكثر من المائة نفس من رجال ونساء وأطفال وصبيان وأما الجمال فأخذوها إلى بيت أبي الشوارب وهي سود محترقة الجلود وفيها من خرجت عينه فإما يعالجوها أو ينحروها وكل هذا الذي حصل من الحرق والموت والهدم في طرفة عين‏.‏
وفي الاثنين وصل مصطفى بك أمير ركب الحجاج إلى مصر وترك الحجاج بالدار الحمراء فبات في داره وأصبح عائدًا إلى البركة فدخل مع المحمل يوم الأربعاء ودخل الحجاج وأتبعهم بحيث أنه أخذ المسافة في أحد وعشرين يومًا وسبب حضور المذكور أنه ذهب بعساكره وعساكر الشريف من الطائف إلى ناحية تربة والمتآمر عليها امرأة فحاربتهم وانهزم منها شر هزيمة فحنق عليه الباشا وأمره بالذهاب إلى مصر مع المحمل‏.‏
وفيه أرسل الباشا يستدعي اثنتين أو ثلاثة عينهن من محاظيه وصحبتهن خمسة من الجواري السود الأسطاوات في الطبخ وعمل أنواع الفطور فأرسلوهن في ذلك اليوم إلى السويس وصحبتهن نفيسة القهرمانة وهي من جواريه أيضًا وكانت زوجًا لقاضي أوغلي المحتسب الذي مات بالحجاز في العام الماضي‏.‏
وفيه أيضًا وصل حريم الشريف غالب فعينوا له دارًا يسكنها مع حريمه جهة سويفة العزى فسكنها ومعه أولاده وعليهم المحافظون واستولى الباشا على موجودات الشريف غالب من نقود وأمتعة وودائع ومخبآت وشرك وتجارات وبن وبهار ونقود بمكة وجدة والهند واليمن شيء لا يعلم قدره إلا الله وأخرجوا حريمه وجواريه من سرايته بما عليهن من الثياب بعد ما فتشوهن تفتيشًا فاحشًا وهتك حرمته قل اللهم مالك الملك هذا الشريف غالب انتزع من مملكته وخرج من دولته وسيادته وأمواله وذخائر وانسل من ذلك كله كالشعرة من العجين حتى أنه لما ركب وخرج مع العسكر وهم متوجهون به إلى جدة أخذوا ما في جيوبه فليعتبر من يعتبر وكل الذي وقع له بعد من التغريب وغيره فيما جناه من الظلم ومخالفة الشريعة والطمع في الدنيا وتحصيلها بأي طريق نسأل الله السلامة وحسن العاقبة‏.‏
وفي يوم الخميس خامسه طاف الآغا أيضًا بأسواق المدينة وأمامه المناداة على أبواب الخانات والوكائل من التجار بأنهم لا يتعاملون في بيع البن والبهار إلا بحساب الريال المتعارف في معاملة الناس وهو الذي يصرف تسعين نصفًا لأن باعة البن لا يسمون في بيعه إلا الفرانسة ولا يقبضون في ثمنه إلا إياها بأعيانها ولا يقبلون خلافها من جنس المعاملات فيحصل بذلك تعب للمتسببين الفقراء والقطاعين ومن يشتري بالقنطار أو دونه فبهذه المناداة يدفع المشتري ما يشاء من جنس المعاملات قروشًا أو ذهبًا أو فرانسة أو أي صنف من المعاملات ويحسبه المعاملة والريال المعروف بين الناس الذي صرفه تسعون نصفًا فضة وإذا سمى سعر القنطار فلا يسمي إلا بهذا الريال وهذه المناداة بإشارة السيد محمد المحروقي بسبب ما كان يقع من تعطيل الأسباب‏.‏
وفيه سافر محمود بك وصحبته المعلم غالي للكشف عن قياس الأراضي البحرية التي نزل إليها القياسون بصحبة مباشريهم من النصارى والمسلمين من وقت انحسار الماء عن الأراضي وانتشروا بالأقاليم البحرية وهم يقيسون بقصبة تنقص عن القصبة القديمة‏.‏
وفي يوم الاثنين تاسعه وصل حريم الشريف غالب من السويس فأنزلوهن ببيت السيد محمد المحروقي وعدتهن خمسة إحداهن جارية بيضاء والأربعة حبشيات ومعهن جواري سود وطواشية وحضر إليهم سيدهم وصحبته أحمد أغا أخو كتخدا بك وصحبتهم نحو العشرين نفرًا من العسكر واستمر الجميع مقيمين بمنزل المذكور وهو يجري عليهم النفقات اللائقة بهم والمصاريف وفضل لهم كساوي من مقصبات وكشميري وتفاصيل هندية‏.‏
وفي يوم السبت رابع عشره خرج محو بك إلى ناحية الآثار بعساكره ليسافر من ساحل القصير إلى الحجاز باستدعاء الباشا فاستمر مقيمًا هناك عدة أيام لمخالفة الريح وارتحل في أواخره وفي أوائل هذا الشهر بل والذي قبله عملوا كورنتينه في إسكندرية ودمياط فيه رجع محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما‏.‏
واستهل شهر ربيع الأول 1229 وفيه انتقل الشريف غالب بعياله من بيت السيد محمد المحروقي إلى المنزل الذي أعدوه له وهو بيت لطيف باشا بسويقة العزى بعد ما أصلحوه وبيضوه وأسكنوه به وعليه اليسق والعسكر الملازمون لبابه وفيه أبرز كتخدا بك فرمانًا وصل إليه من الباشا يتضمن ضبط جميع الالتزام لطرف الباشا ورفع أيدي الملتزمين عن التصرف بل الملتزم يأخذ فائظه من الخزينة فلما أشيع ذلك ضج الناس وكثر فيهم اللغط واجتمعوا على المشايخ فطلعوا إلى كتخدا بك وسألوه فقال نعم ورد من أفندينا أمر بذلك ولا يمكنني مخالفته فقالوا له كيف تقطعون معايش الناس وأرزاقهم وفيهم أرامل وعواجز وللواحدة قيراط أن نصف قيراط يتعيشن من إيراده فينقطع عنهن فقال يأخذن الفائظ من الخزينة العامرة عرضحال وننتظر الجواب فأجابهم إلى ذلك من باب المسايرة وفك المجلس وشرع الشيخ المهدي في ترصيف العرضحال فكتبوه وختموا عليه بعد وفي خامسه حضر جمع كثير من النساء الملتزمات إلى الجامع الأزهر وصرخوا في وجوه الفقهاء وأبطلوا الدروس وبددوا محافظهم وأوراقهم فتفرقوا وذهبوا إلى دورهم وكان قد اجتمع معهم الكثير من العامة واستمروا في هرج إلى بعد العصر ثم جاءهم من يقول لهم كلامًا كذبًا سكن به حدتهم فانفض الجمع وذهب النساء وهن يقلن نأتي في كل يوم على هذا المنوال حتى يفرجوا لنا عن حصصنا ومعايشنا وأرزاقنا وفي ظن الناس وغفلتهم أن في الإناء بقية أوانهم يدفعون الرزية وما علموا أن البساط قد انطوى وكل قد ضل وأضل وغوى ومال عن الصراط واتبع الهوى وكلب الجور قد كشر أنيابه وعوى ولم يجد له طاردًا ولا معارضًا ولا معاندًا ولما وصل الخبر إلى كتخدا بك طلب بعض المشايخ وقال له ما خبر هذه الجمعية بالأزهر فقال لهم بسبب ما بلغهم عن قطع معاشهم وإنما أنتم الذين تسلطونهم على هذه الفعال لأغراضكم ولا بد أني أستخبر على من غراهم وأخرج من حقه وطلبه علي آغا الوالي وقال له أخبرني عن هؤلاء النساء من أي البيوت فقال وما علمي ومن يميزهن وغالبهن وأكثرهن نساء العساكر ولا قدرة لي على منعهن وانقض المجلس وبردت همتهم وانكمشوا وشرعوا في تنفيذ ما أمروا به وترتيبه وتنظيمه‏.‏
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي فأقاما أيامًا وسافرا في ثالث عشره وفيه أحضروا حسن أغا محرم المعروف بنجائي من إقليم المنوفية وهو مريض وتوفي في ثاني يوم ودفن‏.‏
وفي خامس عشره مر الآغا والوالي وأغات التبديل وهم يأمرون الناس بكنس الأسواق ورشها حالًا في ذلك الوقت من غير تأخير فابتدر الناس ونزلوا من حوانيتهم وبأيديهم المكانس يكنسون بها تحت حوانيتهم ثم يرشونها‏.‏
وفي تاسع عشره حضر الشريف عبد الله ابن الشريف سرور أرسله الباشا إلى مصر من ناحية القصير منفيًا من أرض الحجاز فأنزلوه بمنزل أحمد آغا كتخدا بك محجوزًا عليه ولم يجتمع مع عمه ولم يره‏.‏
وفيه كثر الطلب للريال الفرانسة بسبب احتياج دار الضرب وما يرسل إلى الباشا من ذلك وألزموا التجار بإحضار جملة من ذلك ويأخذون بدلها قروشًا مقادير على أفرادهم بما يحتمله وجمعوا ما قدروا عليه منها‏.‏
وفيه شنق شخص يسمى صالح عند باب زويلة واستمر معلقًا يومين وسبب ذلك أنه يدعى الجذب والولاية وتزوج بامرأة وأخذ متاعها ومالها وحصل لها خلل في عقلها فأنهوا أمره إلى كتخدا بك فأمر بحبسه واستخلصوا منه جانبًا مما أخذه من متاع المرأة وكثر كلام الناس في حقه فأمر الكتخدا بشنقه‏.‏
وفي أواخره حضر إبراهيم بك ابن الباشا من الجهة القبلية ونزل بالبيت الذي اشتراه بناحية واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الأربعاء سنة 1229 وفي ليلة الاثنين سادسه حضر ميمش آغا من ناحية الحجاز مرسلًا من عند الباشا باستعجال حسن باشا للحضور إلى الحجاز وكان قبل ذلك بأيام أرسل يطلب سبعة آلاف عسكري وسبعة آلاف كيس فشرع كتخدا بك في استكتاب أشخاص من أخلاط العالم ما بين مغاربة وصعايدة وفلاحي القرى فكان كل من ضاق به الحال في معاشه يذهب ويعرض نفسه فيكتبونه وإن كان وجيهًا جعله أميرًا على مائة أو مائتين ويعطيه أكياسًا يفرقها في أنفاره ويشتري فرسًا وسلاحًا ويتقلد بسيف وطبنجات وكذلك أنفاره ويلبسون قناطيش ولباسًا مثل لبس العسكر ويعاق له وزنة بارود تحت إبطه ويأخذ على كتفه بندقية ويمشون أمام كبيرهم مثل الموكب وفيهم أشخاص من الفعلة الذين يستعملون في شيل التراب والطين في العمائر وبرابرة وأرسل الكتخدا إلى الفيوم وغيرها بطلب رجال من أمثال ذلك وجمعوا الكثير من أرباب الصنائع مثل الخبازين والفرانين والنجارين والحدادين والبياطرة وغيرهم من أرباب الصنائع ويسحبونهم قهرًا فأغلق الفرانون مخابزهم وتعطل خبيز خبز الناس أيامًا وفيه ورد الطلب لحسن الباشا فشرع في تشهيل أحواله ولوازم سفره ثم حضر ميمش أغا باستعجاله واستعجال المطلوبات من الأموال وفيه قبضوا على اليهود الموردين الذين يوردون الذهب والفضة لدار الضرب بسبب إحضار الفرانسة وقد قلت بأيدي الناس جد الكثرة أخذها والطلب لها وانقطاع مجيئها من بلادها فحبسوهم وضربوهم ونزلوا في أسوأ حال متحيرين وذلك أن راتب الضربخانة سبعة آلاف في كل يوم عنها ثلاثة وستون ألف درهم وقدرها ثلاث مرات من النحاس يضربون ذلك قروشًا حتى بلغ سعر النحاس القراضة مائة وعشرين نصفًا فضة‏.‏
وفي تاسعه حضر محمود بك الدويدار والمعلم غالي من سرحتهما إلى مصر وهما المتآمران على مباشرة قياس الأراضي وتشهيل المال المفروض وسبب حضورهما أن إبراهيم باشا أرسل بطلبهما للحضور ليتشاور معهما في أمر فأقاما وعادا راجعين إلى شغلهما‏.‏
وفي منتصفه سافر إبراهيم باشا عائدًا إلى أسيوط وذهب صحبته أخوه إسمعيل باشا والبيكات الصغار خوفًا وهروبًا من الطاعون‏.‏
وفيه كمل تعمير الجامع الذي عمره دبوس أوغلي الذي بقرب داره التي بفيط العدة وهو جامع جوهر العيني وكان قد تخرب فهدمه جميعه وأنشأه وزخرفه ونقل لعمارته أنقاضًا كثيرة وأخشابًا ورخامًا من بيت أبي الشوارب وعمل به منبرًا بديع الصنعة واستخلص جهة أوقافه أطيانًا وأماكن من واضعي اليد‏.‏
وفيه أيضًا نادوا على سكان الجيزة بالخروج منها بعد عصر يوم السبت ومن لا يريد الخروج فلا يخرج بعد ذلك ومن خرج فلا يدخل وأمهلوهم إلى الغروب فخرجوا بأمتعتهم وأطفالهم وأولادهم وأوانيهم إلى خارج البلدة وبات الأكثر منهم تحت السماء لضيق الوقت على الرحيل إلى بلدة أخرى وخرج أيضًا الكثير من عساكرهم وأتباعهم ممن لا يريد المقام والحبس فكانوا كلما وجدوا من جمل متاعه من أهل البلدة على حمار ليذهب إلى جهة يستقر بها ورموا به إلى الأرض وأخذوا الحمار وحصل لأهل الجيزة في تلك الليلة ما لا مزيد عليه من الكرب والجلاء عن أوطانهم وكل ذلك مجرد وهم مع قلة وجود الطعن إلا التزر اليسير‏.‏
وفي ثالث عشرينه سافرت خزينة المال المطلوبة إلى الباشا إلى جهة السويس وأصحبوا معها عدة كبيرة من عسكر الدلاة لخفارتها وقدرها ألفان وخمسمائة كيس جميعها قروش‏.‏
شهر جمادى الأولى سنة 1229 استهل بيوم الجمعة في ثالثه خرج حسن باشا بعساكره ونزل بوطاقه وخيامه التي نصبت له بالعادلية قبل خروجه بيومين‏.‏
وفي رابعه وصلت هجانة من ناحية الحجاز بطلب حسن بك دالي باشا وأخشاب واحتياجات وجمال والذي أخبر به المخبرون عن الباشا وعساكره أن طوسون باشا وعابدين ركبوا بعساكرهم على ناحية تربة التي بها المرأة التي يقال لها غالية فوقعت بينهم حروب ثمانية أيام ثم رجعوا منهزمين ولم يظفروا بطائل ولأن العربان نفرت طباعهم من الباشا لما حصل منه في حق الشريف من القبض عليه وهاجر الكثير من الأشراف وانضموا إلى الأخصام وتفرقوا في النواحي ومنهم شخص يقال له الشريف راجح فأتى من خلف العسكر وقت قيام الحرب وحاربهم ونهب الذخيرة والأحمال من العربان المسالمين له بأغلى ثمن وأخبروا أيضًا أنه واقع بالحرمين غلاء شديد لقلة الجالب واحتكار الباشا للغلال الواصلة إليه من مصر فيبيعه حتى على عسكره بأغلى ثمن من التجبر على المسافرين والحجاج في استصحابهم شيئًا من الحب والدقيق فيفتشون متاعهم في السويس ويأخذون ما يجدونه معهم مما يتزودن يه في سفرهم من القمح أو الدقيق وما يكون معهم من الفرانسة لنفقتهم وأعطوهم بدلها من القروش‏.‏
وفيه بلغ صرف الريال الفرانسة من الفضة العددية ثمانمائة وعشرين نصفًا عناه ثمانية قروش والمشخص عشرون قرشًا وقل وجود الفرانسة والمشخص والمحبوب المصري بأيدي الناس جدًا ثم نودي على أن يصرف الريال بسبعة قروش والمشخص بستة عشر قرشًا وشددوا قفي ذلك وعاقبوا من زاد على ذلك في قبض أثمان المبيعات وأطلقوا في الناس جواسيس وعيونًا فمن عثروا عليه في مبيع أو غيره أنه قبض بالزيادة أحاطوا به وأخذوه وعاقبوه بالحبس والضرب والتغريم وربما أرسلوا من طرفهم أشخاصًا متنكرين يأتي أحدهم للبائع فيساومه السلعة كأنه مشتر ويدفع له في ضمن الثمن ريالًا أو مشخصًا ويحسبه بحسابه الأول ويناكره في ذلك فربما تجاوز البائع خوفًا من بوار سلعته وخصوصًا إذا كانت البيعة رابحة أو بيعة استفتاح على زعم الباعة وقلة الزبون بسبب وقف حال الناس أو إفلاسهم فما هو إلا أن يتباعد عنه يسيرًا فما يشعر إلا وهو بين يدي الأعوان ويلاقي وعده‏.‏
وفي منتصفه وصلت قافلة من السويس وفيها جملة من العسكر المتمرضين ونحو العشرة من كبارهم نفاهم الباشا إلى مصر وفيهم حجو أوغلي ودالي حسن وعلي أغادرمنلي وترجوا وحسن أغا أزرجنلي ومصطفى ميسوا وأحمد أغا قنبور‏.‏
وعليه أيضًا خرج عسكر المغاربة ومن معهم من الأجناس المختلفة إلى مصر العتيقة ليذهبوا من الناحية القصير إلى الحجاز وأما محو بك فإنه لم يزل بقنا القلة المراكب بالقصير التي تحملهم إلى الحجاز‏.‏
وفي سادس عشره وصلت قافلة وفيها أنفار من أهل مكة والمدينة وسفار وبضائع تجارة بن وأقمشة وبياض شيء كثير وقد أتت إلى جدة من تجارات الشريف غالب ولم يبلغهم خبر الشريف غالب وما حصل له فلما حضر وضع الباشا يده عليه جميعه وأرسل إلى مصر فتولى ذلك السيد محمد المحروقي وفرقها على التجار بالثمن الذي قدره عليهم وألزمهم أن لا يدفعوه إلا فرانسة‏.‏
وفي هذا الشهر وصل الخبر بموت الشيخ مسعود كبير الوهابية وتولى مكانه ابنه عبد الله‏.‏
وفيه خرج طائفة الكتبة والأقباط والروزنامجي والجاجرتية وذهب الجميع إلى جزيرة شلقان ليحرروا دفاتر على الروك الذي راكوه من قياس الأراضي زيادة الأطيان وجفل الكثير من الفلاحين وأهالي الأرياف وتركوا أوطانهم وزرعهم وهالهم هذا الواقع لكونهم لم يعتادوه ويألفوه وباعوا مواشيهم ودفعوا أثمانها في الذي طلع عليهم في الزيادات الهائلة وسيعودون مثل الكلاب ويعتادون سلخ الإرهاب وأما الملتزمون فبقوا حيارى باهتين وارتفع أيدي تصرفهم في حصصهم ولا يدرون عاقبة أمرهم منتظرين رحمة ربهم وان وقت الحصاد وهم ممنوعون عن ضم زرع وسياهم إلى أن أذن لهم الكتخدا بذلك وكتب لهم أوراقًا وتوجهوا بأنفسهم أو بمن ينوب عن مخدومه وأراد ضم زرعه ولم يجد من يطيعه بهم وتطاولوا عليهم بالألسنة فيقول الحرفوش منهم إذا دعي للشغل بأجرته روح انظر غيري أنا مشغول في شغلي أنتم إيش بقالكم في البلاد قد انقضت أيامكم إحنا صرنا فلاحين الباشا وقد كانوا من الملتزمين أذل من العبيد المشترى فربما أن العبد يهرب من سيده إذا كلفه فوق طاقته أو أهنه بالضرب وأما الفلاح فلا يمكنه ولا يسهل به أن يترك وطنه وأولاده وعياله ويهرب وإذا هرب إلى بلدة أخرى واستعلم أستاذه مكانه أحضره قهرًا وازداد ذلًا ومقتًا وإهانة وكان من طرائفهم أنه إذا آن وقت الحصاد والتحضير طلب الملتزم أو قائم مقامه الفلاحين فينادي عليهم الغفير أمس اليوم المطلوبين في صبحه بالتبكير إلى شغل الملتزم فمن تخلف لعذر أحضره الغفير أو المشد وسحبه من شنبه وأشبعه سبًا وشتمًا وضربًا وهو المسمى عندهم بالعونة والسخرة واعتادوا ذلك بل يرونه من اللازم الواجب وهذا خلاف ما يلقونه من الإذلال والتحكم من مشايخهم والشاهد والنصراني الصراف وهو العمدة والعهدة خصوصًا عند قبض المال فيخالطهم ويناكرهم وهم له أطوع من أستاذهم وأمره نافذ فيهم فيأمر قائمقام بحبس من شاء أو ضربه محتجًا عليهم ببواقي لا يدفعها وإذا غلق أحدهم ما عليه من المال الذي وجب عليه في قائمة المصروف وطلب من المعلم ورده وهي ورقة الغلاق وعده لوقت آخر حتى يحرر حسابه فلا يقدر الفلاح على مراددته خوفًا منه فإذا سأله من بعد ذلك قال له بقي عليك حبتان من فدان أو أخروبتان أو نحو ذلك ولا يعطيه ورقة الغلاق حتى يستوفي منه قدر المال أو يصانعه بالهدية والرشوة وغير ذلك أمور وأحكام خارجة عن إدراك البهيمة فضلًا عن البشرية كالشكاوي ونحوها وذلك كما إذا تشاجر أحدهم مع آخر على أمر جزئي بادر أحدهم بالحضور إلى الملتزم وتمثل بين يديه قائلًا أشكو إليه فلانًا بمائة ريال مثلًا فبمجرد قول ذلك يأمر بكتابة ورقة خطابًا إلى قائمقام أو المشايخ بإحضار ذلك الرجل المشتكي واستخلاص القدر الذي ذكره الشاكي قليلًا أو كثيرًا أو حبسه وضربه حتى يدفع ذلك القدر ويرسل والورقة مع بعض أتباعه ويكتب بهامشها كراء طريقة قليلًا أو كثير أو يسمونه حق الطريق فعند وصوله أول شيء يطالب به الرجل حق الطريق المعين ثم الشكوى فإن بادر ودفعها وإلا حبس أو حضر به المعين إلى بيت أستاذه فيوعده الحبس ويعاقبه بالضرب حتى يوفي القدر الذي تلفظ به الشاكي وإن تأخر عن حضوره المعين أردفه بآخر وحق طريق الآخر كذلك ويسمونها الاستعجالة وغير ذلك أحكام وأمور غير معقولة المعنى قد ربوا عليها واعتادوا لا يرون فيها بأسًا ولا عيبًا وقد سلط الله على هؤلاء الفلاحين بسوء أفعالهم وعدم ديانتهم وخيانتهم وإضرارهم لبعضهم البعض من لا يرحمهم ولا يعفو عنهم كما قال فيهم البدر الحجازي وسبعة بالفلح قد أنزلت لما حووه من قبيح الفعال شيوخهم أستاذهم والمشد والقتل فيما بينهم والقتال مع النصارى كاشف الناحية وزد عليها كدهم في اشتغال وفقرهم ما بين عينيهم مع اسوداد الوجه هذا النكال وإذا التزم بهم ذو رحمة أزدروه في أعينهم واستهانوا به وبخدمه وماطلوه في الخراج وسموه بأسماء النساء وتمنوا زوال التزامه بهم وولاية غيره من الجبارين الذين لا يخافون ربهم ولا يرحمهم لينالوا بذلك أغراضهم بوصول الأذى لبعضهم وكذلك أشياخهم إذا لم يكن الملتزم ظالمًا يتمكنون هم أيضًا من ظلم فلاحيهم لأنهم لم يحصلوا لهم رواج إلا بطلب الملتزم الزيادة والمغارم فيأخذون لأنفسهم في ضمنهاما أحبوا وربما وزعوا خراج أطيانهم وزراعاتهم على الفلاحين وقد انحرم هذا الترتيب بما حدث في هذه الدولة من قياس الأراضي والفدن وما سيحدث بعد ذلك من الإحداثات التي تبدو قرائنها شيئًا بعد شيء‏.‏
وفي ثاني عشرينه برز حسن بك باشا دالي خيامه إلى خارج باب النصر وخرج هو في ثاني يوم في موكب ونزل بوطاقه ليتوجه إلى الحجاز على طريق البر‏.‏
وفي ليلة الأربعاء سابع عشرينه قبل الغروب بنحو نصف ساعة وصل جراد كثير مثل الغمام وصار يتساقط على الدور والأسطحة والأزقة مثل الغمام وأفسد كثيرًا من الأشجار وانقطع أثره في ثاني يوم‏.‏
وفي يوم الاثنين عاشره ارتحل حسن باشا من ناحية الشيخ قمر إلى بركة الحج‏.‏
وفي منتصفه حضر الروزنامجي والأفندية بعد أن استملى منهم القبط الدفاتر وأسماء الملتزمين ومقادير حصصهم ثم حضر محمود بك والمعلم غالي ومن معهم من الكتبة الأقباط وظهر للناس عند حضورهم نتيجة صنعوه ونظموه ورتبوه من قياس الأراضي ورك البلاد وهو أن الأراضي زادت في القياس بالقصبة التي قاسوا بها وحددوها مقدار الثلث أو الربع حتى قاسوا الرزق الأحباسية بأسماء أصحابها ومزارعيها وأطيان الوسايا على حدتها حتى الأجران وما لا يصلح للزراعة وما يصلح من البور الصالح وغير الصالح فلما تم ذلك حسبوها بزياداتها بالأفدنة ثم جعلوها ضرائب منها ضريبة خمسة عشر ريالًا وأربعة عشر واثني عشر وأحد عشر وعشرة مال الفدان بحسب جودة الإقليم والأرض فبلغ ذلك مبلغًا عظيمًا بحيث أن البلدة التي كانت يفرض عليها في مغارم الفرض التي كانوا فرضوها قبل ذلك في سنيهم الماضية ويتشكى منها الفلاحون والملتزمون ويستغيثون ويبقى منها بواقي ويعجزون عنها ألف ريال طلع عليها في هذه اللفة عشرة آلاف ريال إلى مائة ألف وأقل وأكثر وأحضر الكتخدا إبراهيم آغا الرزاز والشيخ أحمد يوسف وخلع عليهما خلعتين وجعلوا لهما ديوانًا خاصًا لمن يلتزم بالقدر الذي تحرر على حصته التي في تصرفه فيعطونه ورقة تصرف ويكتب على نفسه وثيقة بأجل معلوم يقوم بدفع ذلك ويتصرف في حصته بشرط ان لا يكون له إلا أطيان الأوسية إن شاء زرعها وأخذ غلتها وإن شاء أجرها لمن شاء وليس له من مال الخراج إلا المال الحر المعين بسند الديوان المعروف بالتقسيط وما زاد في قياس الأرض من طين الفلاحة والأوسية فهو للميري قل أو كثر وأما الرزق الأحباسية المرصدة على البر والصدقة ولأهل المساجد والأسبلة والمكاتب والخيرات فإنهم مسحوها بقياسهم فما وجدوه زائدًا عن الحد الأصلي جعلوه للديوان وما يقي قيدوه وحرروه باسم واضع اليد عليها واسم واقفها وزارعها أو ما يمليه المزارع الحاضر وقت القياس وسؤال المباشرين وقرروا عليها المال مثل ضريبة البلد فإن أثبتها صاحبها وكان بيده سند جديد من أيام الوزير وشريف أفندي وما بعده على سبقه لوقت تاريخه قيدوا له نصف مال تآجرها والنصف الثاني الباقي للديوان ورسموا لكاتب الرزق أن يعمل ديوانًا لذلك ومعه عدة من الكتبة ويأتي إله الناس بأوراق سنداتهم فمن وجد بيده سندًا جديدًا كتب له صورة قيد الكشف بموجب ما هو بدفتره في ورقة فيذهب بها إلى الديوان فيقيدون ذلك بعد البحث والتعنت من الطرفين ويقع الاشتباه الكثير في أسماء أربابها وأسماء حيضانها وغيطانها فيكلفون صاحب الحاجة بإثبات ما ادعاه ويكتب له أوراقًا لمشايخ الناحية وقاضيها بإثبات ما يدعيه ويعود مسافرًا ويقاسي ما يقاسيه من مشقة السفر والمصرف ومعاكسة المشايخ وقاضي الناحية ثم يعود إلى الديوان بالجواب ثم يمكن الاحتجاج عليه بحجة أخرى وربما كان سعيه وتعبه على فدان واحد أو أقل أو أكثر وازدحم الناس على بيت كاتب الرزق وانفتح له بذلك باب لأنه لا يكتب كشفًا حتى يأخذ عليه دراهم تعينت على قدر الأفدنة وأضاع الكثير من الناس ما تلقوه من أسلافهم وما كانوا يرتزقون منه وأهملوا تجديد السندات واتكلوا على ما بأيديهم من السندات القديمة لجهلهم وظنهم انقضاء الأمر وعدم دوام الحال وتغير الدولة وعود النسق الأول أو لفقرهم وعدم قدرتهم على ما ابتدعوه من كثرة المصاريف التي تصرف على تجديد السند واشتغال مال الحماية التي قدرها شريف أفندي على أراضي الرزق على كل فدان عشرة أنصاف أو خمسة فكثير من الناس استعظم ذلك واعتمد على أوراقه القديمة فضاعت عليه رزقته وانحلت وأخذها الغير والذي لم يرض بالتوت بل ولا حصل حطبه رضي بالولاش وكان الشأن في أمر الرزق أن أراضيها تزيد عن موقع أراضي البلاد زيادة كثيرة وخراجها أقل من خراج أراضي البلاد الذي يقال له المال الحر الأصلي وليس عليها مصاريف ولا مغارم ولا تكاليف فالمزارع من الفلاحين إذا كان تحت رزقه أو رزقتين فإنه يكون مغبوطًا ومحسودًا في أهل بلده ويدفع لصاحب الأصل القدر النزر والمزارع يتلقى ذلك سلفًا عن خلف ولا يقدر صاحب الأصل ان يزيد عليه زيادة وخصوصًا إذا كانت تحت يد بعض مشايخ البلاد فلا يقدر أحد أن يتعدى عليه من الفلاحين ويستأجرها من صاحبها وإن فعل لا يقدر على حمايتها والكثير من الرزق واسعة القياس جدًا وما لها قليل جدًا وخصوصًا في الأراضي القبلية فإن غالبها رزق وشراوي ومتأخرات لم تمسح ولم يعلم لها فدادين ولا مقادير وقد تزيد أيضًا بانحسار البحر عن سواحلها وكذلك في البلاد البحرية ولكن دون ذلك ومعظم أراضي الرزق القبلية مرصدة على جهات الأوقاف بمصر وغيرها والواضعون أيديهم عليها لا يدفعون لجهاتها ولا لمستحقيها إلا ما هو مرتب ومقرر من الزمن الأول السابق وهو شيء قليل وليتهم لو دفعوه فإن في أوقاف السلاطين المتقدمة القطمة من الأراضي التي عبرتها أكثر من ألف فدان وخراجها خمسون زكيبة والزكيبة خمس ويبات أو من الدراهم ألفان فضة وأقل وأكثر وهي تحت يد بعض كبراء البلاد يزرعها ويأخذ منها الألوف من الأردب من أجناس الغلال ويضن ويبخل بدفع ذلك القدر اليسير لجهة وقفه ويكسر السنة على السنة فإن كانت يد صاحب الأصل قوية أو كان واضع اليد فيه خيرية وقليل ما هم دفع لأربابها ثمنها بعد أن يرد الخمسين إلى الأربعين بالتكسير والخلط ثم يبخس الثمن جدًا فإن كان ثمن الأردب أربعمائة حسبه بأربعين نصفًا أو أقل فيعود ثمن الخمسين زكيبة إلى ثمن زكيبتين وقس على ذلك والذي يكون تحت يده شيء من أطيان هذه الأوقاف وورثها من بعده ذريته فزرعوها وتقاسموها معتقدين ملكيتها تلقوها بالإرث من مورثهم ولا يرون أن لأحد سواهم فيها حقًا ولا يهون بهم دفع شيء لأربابه ولو قل إلا قهرًا وبالجملة ما أصاب الناس إلا ما كسبت أيديهم ولا جنوا إلا ثمرات أعمالهم وكان معظم إدارات دوائر عظماء النواحي وتوسعاتهم ومضايفهم من هذه الأرزاق التي تحت أيديهم بغير استحقاق إلى أن سلط الله عليهم من استحوذ على جميع ذلك وسلب عنهم ما كانوا فيه من النعمة وتشتتوا في النواحي وتغربوا عن أوطانهم وخربت دورهم ومضايفهم وذهبت سيادتهم وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد وتسمع لهم ركزًا وفي بعض الأرزاق من مات أربابه وخربت جهاته ونسي أمره وبقي تحت يد من هو تحت يده من غير شيء أصلًا وقد أخبرني بنحو ذلك شمس الدين ابن حمودة من مشايخ برما بالمنوفية عندما أحضر إلى مصر في وقت هذا النظام أنه كان في حوزهم ألف فدان لا علم للملتزم ولا غيره بها وذلك خلاف ما بأيديهم من الرزق التي يزرعونها بالمال اليسير وخلاف المرصد على مساجد بلادهم التي لم يبق لها أثر وكذلك الأسبلة وغيرها وأطيانهم تحت أيديهم من غير شيء وخلاف فلاحتهم الظاهرة بالمال القليل لمصارف الحج لأنها كانت من جملة البلاد الموقوفة على مهمات أمير الحاج وقد انتسخ ذلك كله‏.‏
وفيه أخبر المخبرون أم مراكب الموسم وصلت في هذا العام إلى جدة وكان لها مدة سنين ممتنعة عن الوصول خوفًا من جور الشريف وزواله وتملك الدولة البلاد وظنهم فيهم العدل فاطمأنوا وعبروا متاجرهم وحضروا إلى جدة فجمع الباشا مكوسهم فبلغت أربعة عشرين لكًا واللك الواحد مائة ألف فرانسة فيكون أربعة وعشرين مائة ألف فرانسة فقبضها منهم بضائع ونقودًا وحسب البضائع بأبخس الأثمان ثم التفت إلى التجار الذين اشتروا البضائع وقال لهم إني طلبت منكم مرارًا أن تقرضوني المال فادعيتم الإفلاس ولما حضر الموسم بادرتم بأخذه وظهرت أموالكم التي كنتم تبخلون بها فلا بد أن تقرضوني ثلثمائة ألف فرانسة فصالحوه على مائتي ألف دفعوها له نقودًا وبضائع مشترواتهم حسبها لهم العشرة ستة ثم فرض على أهل المدينة ثلاثين ألف فرانسة‏.‏ واستهل

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 05:03 PM   #138
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااااابع

شهر رجب سنة 1229

في خامسه ضربوا عدة مدافع وأخبروا بوصول بشارة وأن عساكرهم حاربوا قنفدة واستولوا عليها ولم يجدوا بها غير أهلها‏.‏
وفي سادسه سار حسن بك دالي باشا بعساكره الخيالة برًا‏.‏
وفيه عزم على السفر والد محرم بك زوج ابنة الباشا إلى بلاده وذلك بعد عوده من الحجاز فأرسلوا إلى الأعيان تنابية بالأمر لهم بمهاداته ففعلوا وعبوا له بقجًا وبناوازًا وأقمشة هندية ومحلاوية كل أمير على قدر مقامه وفي ليلة الاثنين تاسعه حصلت في وقت أذان العشاء زلزلة نحو دقيقتين وكان المؤذنون طلعوا على المنارات وشرعوا في الأذان فلما اهتزت بهم ظن كل من كان على منارة سقوطها فأسرعوا في النزول فلما علموا أنها زلزلة طلعوا وأعادوا الأذان وسقط من شرائف الجامع الأزهر شرافة وتحركت الأرض أيضًا في خامس ساعة من الليل ولكن دون الأولى وكذلك وقت الشروق هزة لطيفة‏.‏
وفي حادي عشره هرب الشريف عبد الله ابن الشريف سرور في وقت الفجرية ولم يشعروا بهروبه إلا بعد الظهر فلما بلغ كتخدا بك الخبر فتكدر لذلك وأرسل إلى مشايخ الحارات وغيرهم وبث العربان في الجهات فلما كان ليلة السبت حضروا به في وقت الغروب وقد حجزوه بحلوان وأتوا به إلى بيت السيد محمد المحروقي فأخذه إلى كتخدا بك فأرسله إلى بيت أخيه أحمد آغا ومن ذلك الوقت ضيقوا عليه ومنعوه من الخروج والدخول بعد أن كان مطلق السراح يخرج من بيت أحمد أغا ويذهب إلى بيت عمه الشريف غالب ويعود وحده فعند ذلك ضيقوا عليه وعلى عمه أيضًا‏.‏
وفي يوم الخميس تاسع عشره حضر المشايخ عند كتخدا بك وعاودوه في الحطاب فيما أحدثوه على الرزق وعرفوه أنه يلزم من هذه الأحداث إبطال المساجد والشعائر فتنصل من ذلك وقال هذا شيء لا علاقة لي فيه وهذا شيء أمر به أفندينا ومحمود بك والمعلم غالي ثم كلموه أيضًا في صرف الجامكية المعروفة بالساثرة والدعا جوى للفقراء والعامة فوعدهم بصرفها وقت ما يتحصل المال فإن الخزينة فارغة من المال‏.‏
وفي يوم السبت حضر محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما فذهب إليهما المشايخ في ثاني يوم ثم خاطبوهما بالكلام في شأن الرزق فأجابهم المعلم غالي بقوله يا أسيادنا هذا أمر مفروغ منه بأمر أفندينا من عام أول من قبل سفره فلا تتعبوا خاطركم واجب عليكم مساعدته خصوصًا في خلاص كعبتكم ونبيكم من أيدي الخوارج فلم يردوا عليه جوابًا وانصرفوا في ويم الأحد تاسع عشرينه حصل كسوف شمس وكان ابتداؤه بعد الشروق ومتداره قريبًا من الجرم وثم انجلاؤه في ثاني ساعة من النهار وكانت الشمس ببرج السرطان أربعًا وعشرين درجة في حادي عشر أبيب القبطي‏.‏
وفيه وصلت القافلة من ناحية السويس وأخبر الواصلون عن واقعة قنفدة وما حصل بها بعد دخول العسكر إليها وذلك أنهم لما ركبوا عليها برًا وبحرًا وكبيرهم محمود بك وزعيم أوغلي وشريف أغا فوجدوها خالية فطلعوا إليها وملكوها من غير ممانع ولا مدافع وليس بها غير أهلها وهم أناس ضعاف فقتلوهم وقطعوا آذانهم وأرسلوها إلى مصر ليرسلوها إلى إسلامبول وعندما علم العربان بمجيء الأتراك خلوا منها ويقال لهم عرب العسير وترافعوا عنها وكبيرهم يسمى طامي فلما استقر بها الأتراك ومضى عليهم نحو ثمانية أيام رجعوا عليهم وأحاطوا بهم ومنعوهم الماء فعند ذلك ركبوا عليهم وحاربوهم فانهزموا وقتل الكثير منهم ونجا محو بك بنفسه في نحو سبعة أنفار وكذلك زعيم أوغلي وشريف آغا فنزلوا في سفينة وهربوا فغضب الباشا وقد كان أرسل لهم نجدة من الشفاسية الخيالة فحاربهم العرب ورجعوا منهزمين من ناحية البر وتواتر هذا الخبر‏.‏
واستهل شهر شعبان بيم الثلاثاء سنة 1229 في ثانيه حضر ميمش أغا من الديار الحجازية وعلى يده فرمانات خطابًا لدبوس أوغلي وآخرين يستدعيهم إلى الحضور بعساكرهم وكان دبوس أوغلي في بلده البرلس فتوجه إليه الطلب وكذلك شرع كتخدا بك في اكتتاب عساكر أتراك ومغاربة وعربان وغير ذلك‏.‏
وفي رابعه سافر طائفة من العسكر وأرسل كتخدا بك يمنع الحجاج الواردين من بلاد الروم وغيرهم من النزول إلى السفائن الكائنة بساحل السويس والقصير وبأن يخلوها لأجل نزول العساكر المسافرين وبتأخير الحجاج وذلك أنه لما وصلت البشائر إلى الديار الرومية بفتح الحرمين وخلاص مكة وجدة والطائف والمدينة ووصول ابن مضيان والمضايفي وغيرهم إلى دار السلطنة وهروب الوهابيين إلى بلادهم فعملوا ولائم وأفراحًا وتهاني وكتبت مراسيم سلطانية إلى بلاد الرومنلي والأنضول بالبشائر بالفتح والإذن والترخيص والإطلاق لمن يريد الحج إلى الحرمين بالأمن والأمان والرفاهية والراحة فتحركت همم مريدي الحج لأن لهم سنين وهم ممتنعون ومتخوفون عن ورود الحج فعند ذلك أقبلوا أفواجًا بحريمهم وأولادهم ومتاعهم حتى أن كثيرًا من المتصوفين منهم باع داره وتعلقاته وعزم على الحج والمجاورة بالحرمين بأهله وعياله ولم يبلغهم استمرار الحروب وما بالحرمين من الغلاء والقحط إلا عند وصولهم إلى ثغر إسكندرية ولم يتحققوها إلا بمصر فوقعوا في حيرة ما بين مصدق ومكذب فمنهم من عزم على السفر ولم يرجع عن عزمه وسلم الأمر لله ومنهم من تأخر بمصر إلى أن ينكشف له الحال وقرروا على كل شخص من المسافرين في مراكب السويس عشرين فرانسة وذلك خلاف أجرة متاعه وما يتزود به في سفره فإنهم يزنونه بالميزان وعلى كل أقة قدر معلوم من الدراهم وأما من يسافر في بحر النيل على جهة القصير في مراكب الباشا فيؤخذ على رأس كل شخص من مصر القديمة إلى ساحل قنا ثلاثون قرشًا ثم عليه أجرة حمله من قنا إلى القصير ثم أجرة بحر القلزم إن وجد سفينة حاضرة وإلا تأخر إما بالقصير أو السويس حتى يتيسر له النزول ويقاسي ما يقاسيه في مدة انتظاره وخصوصًا في المال وغلو ثمنه ورداءته ولا يسافر شخص ويتحرك من مصر إلا بإذن كتخدا بك ويعطيه مرسومًا بالإذن وبلغني أن الذين خرجوا من إسلامبول خاصة بقصد الحج نحو العشرة آلاف خلاف من وصل من بلاد الرومنلي والأنضول وغيرهما وحضر الكثير من أعيانهم مثل أمام السلطان وغيره فنزل البعض بمنزل عثمان آغا وكيل دار السعادة سابقًا والبعض بمنزل السيد محمد المحروقي وبيت شيخ السادات ومنهم من استأجر دورًا في الخانات والوكائل‏.‏
وفيه حضر قاصد من باب الدولة وعلى يده مرسوم مضمونه الأمر باسترجاع ما أخذ من الشريف غالب من المال والذخائر إليه وكان الباشا أرسل إلى الدولة بسجتي لؤلؤ عظام من موجودات الشريف فحضر بهما ذلك القبجي وردهما إلى الشريف غالب ثم سافر ذلك القبجي بالأوامر إلى الباشا بالحجاز‏.‏
وفي سابعه وصلت هجانة باستعجال العساكر وتولى حضور الهجانة لمخصوص الاستعجال‏.‏
وفي يوم السبت تاسع عشره أنزلوا الشريف غالبًا إلى بولاق بحريمه وأولاده وعبيده وكان قد وصل إلى مصر آغا معين بقصد سفر المذكور إلى سلانيك فنزل صحبته إلى بولاق وصالحوه عما أخذ منه من المال وغيره بخمسمائة كيس فأرادوا دفعها له قروشًا فامتنع قائلًا أنهم أخذوا مالي ذهبًا مشخصًا فرانسة فكيف آخذ بدل ذلك نحاسًا لأنفع بها في غير مصر فأعطوه مائتي كيس ذهبًا وفرانسة وتحول الباقي وكيله مكي الخولاني ثم زودوه وأعطوه سكرًا وبنًا وأرزًا وشرابات وغير ذلك ونزل مسافرًا إلى المراكب صحبة المعين إلى الحجاز من ناحية القصير وبرز ابن باشت طرابلس وصحبته عساكر أيضًا من ناحية العادلية وآخر يقال له قنجة بك ومعهم نحو الألف وفي يوم الخميس رابع عشرينه الموافق لسادس شهر مسرى القبطي أو في النيل المبارك أذرعه فداروا بالرايات ونودي بالوفاء وكسروا السد في صبح يوم الجمعة بحضرة كتخدا بك والقاضي والجم الغفير من العساكر‏.‏
وفي أواخره وصلت الأخبار بأن الباشا توجه إلى الطائف وأبقى حسن باشا بمكة‏.‏
واستهل شهر رمضان بيوم الأربعاء سنة 1229 في رابعه حضر موسى آغا تفكجي باشا من الديار الحجازية وكان فيمن باشر حرابة قنفدة ومن جملة من انهزم بها وهلكت جميع عساكره وخدمه ورجع إلى مصر وصحبته أربعة أنفار من الخدم‏.‏
وفي عاشره خرجت العساكر المجردة لسفر الحجاز إلى بركة الحج وهم مغاربة وعربان وارتحلوا يوم الأحد ثاني عشره‏.‏
وفي الأربعاء خامس عشره برز دبوس أوغلي خارج باب الفتوح ليسافر بعساكره إلى الحجاز وكذلك حسن آغا سرششمه ونصبوا خيامهم واستمروا يخرجون من المدينة ويدخلون غدوًا وعشيًا وهم يأكلون ويشربون جهارًا في نهار رمضان ويقولون نحن مسافرون ومجاهدون ويمرون بأسواق ويجلسون على المساطب وبأيديهم الأقصاب والشبكات التي يشربون فيها الدخان من غير احتشام ولا حياء ويجوزون بحارات الحسينية على القهاوي في الضحوة فيجدونها مغلوقة فيسألون عن القهوجي ويطلبونه ليفتح لهم القهوة ويوقد لهم النار ويغلي لهم القهوة ويسقيهم فربما هرب القهوجي واختفى منهم فيكسرون الباب ويعبثون بآلاته وأوانيه فما يسعه إلا المجيء وإيقاد النار وأشيع من ذلك أنه اجتمع بناحية عرضيهم وخيامهم الجم الكثير من النساء الخواطي والبغايا ونصبوا لهن خيامًا وأخصاصًا وانضم إليهن بياع البوظة والعرقي والحشاشون والغوازي والرقاصون وأمثال ذلك وانحشر معهم الكثير من الفساق وأهل الأهواء والعياق من أولاد البلد فكانوا جمعًا عظيمًا يأكلون الحشيش ويشربون المسكرات ويزنون ويلوطون ويشربون الجوزة ويلعبون القمار جهارًا في نهار رمضان ولياليه مختلطين مع العساكر كأنما سقط عن الجميع التكاليف وخلصوا من الحساب وسمعت ممن شاهد بعينه محمود بك المهردار الذي هو أعظم أعيانهم وهو المتولي على قياس الأراضي مع المعلم غالي وهو جالس في ديوانهم المخصوص بالقرب من سويقة اللالا وهو يشرب في النارجيلة التنباك ويأتونه بالغداء جهارًا ويقول أنا مسافر الشرقية لعمل نظام الأراضي‏.‏
وفي غايته وصلت هجانة باستعجال العساكر‏.‏
في ليلته قلدوا عبد الله كاشف الدرندالي أميرًا على ركب الحجاج‏.‏
وفي يوم السبت ثالثه خرج دبوس أوغلي في موكب إلى مخيمه وكذلك‏.‏
حسن آغا سرشه ليسافر إلى الحجاز‏.‏
وفي يوم السبت حادي عسره نزلوا بكسوة الكعبة بالطبول والزمور إلى المشهد الحسيني واجتمع الناس على عاداتهم للفرجة‏.‏
وفيه انتقل محمود بك والمعلم غالي إلى بيت حسن آغا نجاتي وعملوا ديوانهم فيه وتلقوا الجنينة التي به جلسوا تحت أشجارها وربط الأقباط حميرهم فيها وشرع محمود بك في عمارة الجهة القبلية منه وانزوت صاحبة المنزل في ناحية منه‏.‏
وفي سابع عشره ارتحل دبوس أوغلي وحسن آغا سرششمه ومن معهم من العساكر من منزلتهم متوجهين إلى الديار الحجازية‏.‏
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه رسم كتخدا بك بنفي طائفة من الفقهاء من ناحية طندتا إلى أبي قير بسبب فتيا أفتوها في حادثة ببلدهم وقضى بها قاضيهم وأنهيت الدعوى إلى ديوان مصر فطلبوا إلى إعادة الدعوى فحضروا وترافعوا إلى قاضي العسكر وأثبتوا عليهم الخطا فرسم بنفي الشاكي والمفتيين ولقاضي ربعهم‏.‏
وفي يوم السبت رابع عشرينه عملوا موكبًا لخروج المحمل واستعد الناس للفرجة على عادتهم فكان عبارة عن نحو مائة جمل تحمل روايا الماء والقرب وعدة من طائفة الدلاة على رؤوسهم طراطير سود قلابها وأمير الحاج على شكلهم وخلفه أرباب الأشاير ببيارقهم وشراميطهم وطبولهم وزمورهم وجاقاتهم وخلفهم المحمل فكان مدة مرورهم مع تقطيعهم وعدم نظامهم نحو ساعتين فأين ما كان يعمل من المواكب بمصر التي يضرب بحسنها وترتيبها ونظامها المثل في الدنيا فسبحان مغير الشؤون والأحوال‏.‏
وفيه خرجت زوجة الباشا الكبيرة وهي أم أولاده تريد الحج إلى خارج باب النصر في ثلاثة تخوت والمتسفر بها بونابارته الخازندار وقد حضر لوداعها ولدها إبراهيم باشا من الصعيد وخرج لتشييعها هو وأخوه إسمعيل باشا وصحبتهما محرم بك زوج ابنتها حاكم الجيزة ومصطفى بك دالي باشا ويقال أنه أخوها وكذلك محمد بك الدفتردار زوج ابنتها أيضًا وطاهر باشا وصالح بك السلحدار وارتحلت ومن معها في سدس عشرينه إلى بندر السويس وفي ذلك اليوم برزت عساكر المغاربة وغيرهم ممن تعسكر وارتحل أمير الحج من الحصوة إلى البركة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء خرجت عساكر كثيرة مجردين للسفر‏.‏
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه ارتحل أمير الحج ومن معه من البركة في تاسع ساعة من النهار وفي ذلك اليوم هبت رياح غربية شمالية باردة واشتد هبوبها أواخر النهار وأطبقت السماء بالغيوم والقتام وأبرق البرق برقًا متتابعًا وأرعدت رعدًا له دوي متصل ولما قرب من سمت رؤوسنا كان له صوت عظيم مزعج ثم نزل مطر غزير استمر نحو نصف ساعة ثم سكن بعد أن تبحرت منه الأزقة والطرق وكان ذلك اليوم رابع شهر بابه القبطي‏.‏
وفيه ورد الخبر من السويس أن امرأة الباشا لما وصلت إلى هناك وجدت عالمًا كبيرًا من الحجاج المختلفة الأجناس ممنوعين من نزول المراكب فصرخوا في وجهها وشكوا إليها تخلفهم وأن أمير البندر مانعهم من النزول في المراكب وبذلك المنع يفوتهم الحج الذي تجشموا الأسفر وصرفوا أيضًا الأموال من أجله وهم في مشقة عظيمة من عدم الماء ولا يمكنهم الرجوع لعدم من يحملهم وأن أمير البندر يشتط عليهم في الأجرة ويأخذ على كل رأس خمسة عشر فرانسة فحلفت أنها لا تنزل من المركب حتى ينزل جميع من السويس من الحجاج المراكب ولا يؤخذ منهم إلا القدر الذي جعلته على كل فرد منهم فكان ما حكمت به هذه الحرمة صار لها به منقبة حميدة وذكرًا حسنًا وفرجًا لهؤلاء الخلائق بعد الشدة‏.‏
واستهل شهر ذي القعدة بيوم السبت سنة 1229 وفي يوم الاثنين نادى المنادي بوقود قناديل سهارى على البيوت والوكائل وكل أربع دكاكين قنديل‏.‏
وفي ثامنه جرسوا شخصًا وأركبوه على حمار بالمقلوب وهو قابض بيده على ذنب الحمار وعمموه بمصارين ذبيحة وعلى كتفه كرش بعد أن حلقوا نصف لحيته وشواربه قيل أن سبب ذلك أنه زور حجة تقرير على أماكن تتعلق بامرأة أجنبية وباع تلك الأماكن وكانت تلك المرأة غائبة من مصر فلما حضرت وجدت مكانها مسكونًا بالذي اشتراه فرفعت قصتها إلى كتخدا بك ففعل به ذلك بعد وضوح القضية‏.‏
وفي ثاني عشره سافر عبد الله ابن الشريف سرور إلى الحجاز باستدعاء من الباشا فأعطوه أكياسًا وقضى أشغاله وخرج مسافرًا‏.‏
وفيه وقعت حادثة بحارة الكعكيين بين شخصين من الدلاتية رمحا خلف غلام بدوي عمل نفسه عسكريًا مع طائفة المغاربة يدعي أحدهما أن له عنده دراهم فهرب منهما إلى الخطة المذكورة فرمحا خلفه وبيد كل منهما سيفه مسلولًا فدخل الغلام إلى عطفة الحمام وفزعت عليهما المغاربة المتعسكرون القاطنون بتلك الناحية وضربوا عليهما بنادق فسقط حصان أحد الدلاة وأطيب راكبه وهرب رفيقه إلى كتخدا بك فأخبره فأمر بإحضار كبراء المغاربة وطالبهم بالضارب فلم يتبين أمره وقبضوا على الغلام الهارب فحبسوه وفي ذلك الوقت حصل بين الناس فزعة وأغلقت أهل سوق الغورية والشوائين والفحامين حوانيتهم وبقي ذلك الغلام محبوسًا ومات الدلاتي المضروب في ليلة السبت خامس عشره فأحضروا ذلك الغلام إلى باب زويلة وقطعوا رأسه ظلمًا ولم يكن هو الضارب‏.‏
وفي عشرينه سافر ابن باشت طرابلس وسافر معه عسكر المغاربة الخيالة‏.‏
واستهل شهر ذي الحجة سنة 1229 في أوله ورد نجاب من الحجاز وأخبر بموت طاهر أفندي وهو أفندي ديوان الباشا وكان موته في شهر شوال بالمدينة حتف أنفه وورد الخبر أيضًا بصلح الشريف راجح مع الباشا وأنه قابله وأكرمه وأنعم عليه بمائتي كيس وأخبر أيضًا بأنه تركه الباشا بناحية الكلخة وهي ما بين الطائف وتربة وانقضت السنة بحوادثها‏.‏
وأما من مات في هذه السنة فمات العمدة الفاضل الفقيه النبيه الشيخ حسين المعروف بابن الكاشف الدمياطي ويعرف بالرشيدي تعلق بالعلم وانخلع من الآمرية والجندية وحضر أشياخ العصر ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي وانتقل من مذهب الحنفية إلى الشافعية لملازمته لهم في المعقول والمنقول وتلقى عن السيد مرتضى أسانيد الحديث والمسلسلات وحفظ القرآن في مبدأ أمره برشيد وجوده على السيد صديق وحفظ شيئًا من المتون قبل مجيئه إلى مصر واكب على الاشتغال بالأزهر وتزيا بزي الفقهاء بلبس العمامة والفرجية وتصدر ودرس في الفقه والمعقول وغيرهما ولما وصل محمد باشا إلى ولاية مصر اجتمع عليه عند قلعة أبي قير فجعله إمامًا يصلى خلفه الأوقات وحضر معه إلى مصر ولم يزل مواظبًا على وظيفته وانتفع بنسبته إليه واقتنى حصصًا وإقطاعات وتقلد قضايا مناصب البلاد البنادر ويأخذ ممن يتولاها الجعالات والهدايا وأخذ أيضًا نظر وقف أزبك وغيره ولم يزل تحت نظره بعد انفصال محمد باشا خسرو واستمر المذكور على القراءة والإقراء حتى توفي أواخر السنة‏.‏
ومات الفاضل الشيخ عبد الرحمن الجمل وهو أخو الشيخ سليمان الجمل تفقه على أخيه ولازم دروسه وحضر غيره من أشياخ العصر ومشى على طريقة أخيه في التقشف والانجماع عن خلطة الناس ولما مات أخوه وكان يملي الدروس بجامع المشهد الحسيني بين المغرب والعشاء على جمع مجاوري الأزهر والعامة تصدر للإقراء في محله في ذلك الوقت فقر الشمايل والمواهب والجلالين ولم يزل على حالته حتى توفي ثاني عشر ذي الحجة‏.‏
ومات الشيخ المفيد محمد الأسناري الشهير بجاد المولى ممن جاور بالأزهر دروس أشياخ الوقت من أهل عصره ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي في دروسه وبه تخرج وواظب عليه مجالس الذكر وتلقى عنه طريقة الخلوتية وألبسه التاج وتقدم في خطابة الجمعة والأعياد بالجامع الأزهر بدلًا عن الشيخ عبد الرحمن البكري عندما رفعوها عنه وخطب بجامع عمر وبمصر العتيقة يوم الاستسقاء عندما قصرت زيادة النيل في سنة ثلاث وعشرين وتأخر في الزيادة عن أوانه ولما حضر محمد باشا خسرو إلى مصر وصلى صلاة الجمعة بالأزهر في سنة سبع عشرة خلع عليه بعد الصلاة فروة سمور فكان يخرجها من الخزنة ويلبسها وقت خطبة الجمعة والأعياد وواظب على قراءة الكتب للمبتدئين كالشيخ خالد والأزهرية ثم قرأ شرح الأشموني على الخلاصة واشتهر ذكره ونما أمره في أقل زمن وكان فصيحًا مفوهًا في التقرير والإلقاء لتفهيم الطلبة ولم يزل على حالة حميدة في حسن السلوك والطريقة حتى توفي في شهر ذي الحجة وقد ناهز الأربعين‏.‏
سنة ثلاثين ومائتين وألف استهل شهر المحرم بيوم الثلاثاء في خامسه وصل نجاب من الحجاز وعلى يده مكاتبات بالأخبار عن الباشا والحجاج بأنهم حجوا ووقفوا بعرفة وقضوا المناسك‏.‏
وفي تاسعه حضر إبراهيم باشا من الجهة القبلية إلى داره بالجمالية‏.‏
وفي عاشره يوم الخميس وصل في ليلته قابجي وعلى يده تقرير للباشا من الحجاز إلى ساحل القصير فضربوا لذلك مدافع من القلعة‏.‏
وفي صبحها خرج ابن الباشا وأخوه وكذلك أكابر دولتهم إلى ناحية البساتين ومنهم من عدى النيل إلى البر الغربي لملاقاته على مقتضى عادته في عجلته في الحضور وعلى حساب مضي الأيام من يوم وصوله إلى القصير فغابوا في انتظاره حتى انقضى النهار ثم رجعوا‏.‏
وفي صبح اليوم الثاني خرجوا ثم عادوا إلى دورهم آخر النهار واستمروا على الخروج والرجوع ثلاثة أيام ولم يحضر وكثر لغط الناس عند ذلك واختلفت رواياتهم وأقاويلهم مدة أيام ليلًا ونهارًا ثم ظهر كذب هذا الخبر وأن الباشا لم يزل بأرض الحجاز وقيل أن سبب إشاعة خبر مجيئه أنه وصل إلى ساحل القصير سفينة بها سبعة عشر شخصًا من العسكر فسألهم الوكيل الكائن بالقصير عن مجيئهم فأجابوه أنهم مقدمة الباشا وأنه واصل في أثرهم فعندما سمع جوابهم أرسل خطابًا إلى كاتب من الأقباط بقنا يعرفه بقدوم الباشا فكتب ذلك القبطي خطابًا إلى وكيل شخص من أعيان كتبة الأقباط بأسيوط يسمى المعلم بشارة فعندما وصله الجواب أرسل جوابًا إلى موكله بشارة المكور بمصر بذلك الخبر وفي الحال طلع به إلى القلعة وأعطاه لإبراهيم باشا فانتقل به إبراهيم باشا إلى مجلس كتخدا بك فخلع كتخدا بك على بشارة خلعة وأمر بضرب المدافع ونزلت المبشرون وانتشروا بالبشائر إلى بيوت الأعيان وأخذ البقاشيش في اختلاف الروايات والأقاويل كعادتهم فمنهم من يقول أنه حضر مهزومًا ومنهم من يقول مجروحًا ومنهم من يثبت موته والشيء الذي أوجب في الناس هذه التخليطات ما شاهدوه من حركات أهل الدولة وانتقال نسائهم من المدينة وطلوعهم إلى القلعة بمتاعهم وإخلاء الكثير منهم البيوت وانتقال طائفة الأرنؤد من الدور المتباعدة واجتماعهم وسكناهم بناحية خطة عابدين وكذلك انتقل إبراهيم باشا إلى القلعة ونقل إليها الكثير من متاعه وأغرب من هذا كله إشاعة اتفاق عظماء الدولة على ولاية إبراهيم باشا على الأحكام عوضًا عن أبيه في يوم الخميس ويرتبوا له موكبًا يركب فيه ذلك اليوم ويشق من وسط المدينة واجتمع الناس للفرجة عليه واصطفوا على المساطب والدكاكين فلم يحصل وظهر كذب ذلك كله وبطلانه واتفق في أثناء ذلك من زيادة الأوهام والتخيلات أن رضوان كاشف المعروف بالشعراوي سد باب داره التي بالشارع بخط باب الشعرية وفتح له بابًا صغيرًا من داخل العطفة التي بظاهره فأوشى بعض مبغضيه إلى كتخدا بك فعلته في هذا الوقت والناس يزداد بهم الوهم ويعتقدون صحة ما دار بينهم من الأكاذيب وخصوصًا كونه من الأعيان المعروفين فطلبه كتخدا بك وقال له لأي شيء سددت باب دارك وما الذي قاله المنجم لك فقال أن طائفة من العساكر تشاجروا بالخطة ودخلوا إلى الدار وأزعجونا فسددتها من ناحية الشارع بعدًا من الشر وخوفًا مما جرى على داري سابقًا من النهب فلم يلتفت لكلامه وأمر بقتله فشفع فيه صالح بك السلحدار وحسن آغا مستحفظان فعفا عنه من القتل وأمر بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي ثم نزل بصحبته الآغا إلى داره وفتح الباب كما كان‏.‏
وفي رابع عشرينه وصلت مكاتبات من الديار الحجازية من عند الباشا وخلافه مؤرخة في ثالث عشر ذي الحجة يذكرون فيها ان الباشا بمكة وطوسون باشا ابنه بالمدينة وحسن باشا وأخاه عابدين بك وخلافهم بالكلخة ما بين الطائف وتربة‏.‏
ودخلت سنة 1230 واستهل شهر صفر الخير بيوم الخميس سنة 1230 في خامس عشرينه نودي بنقص مصارفة أصناف المعاملة وقد وصل صرف الريال الفرانسة من الفضة العددية إلى ثلثمائة وأربعين نصفًا عنها ثمانية قروش ونصف فنودي عليه بنقص نصف قرش والمحبوب وصل إلى عشرة قروش فنودي عليه بتسعة قروش وشددوا في هذه المناداة تشديدًا زائدًا وقتل كل من زاد من غير معارضة وكتبوا مراسيم إلى جميع البنادر وفيها وفي أواخره التزم المعلم غالي بمال الجزية التي تطلب من النصارى على خمسة وثمانين كيسًا وسبب ذلك أن بعض أتباع المقيد لقبض الجوالي قبض على شخص من النصارى وكان من قسوسهم وشدد عليه في الطلب وأهانه فأنهوا الأمر إلى المعلم غالي ففعل ذلك قصدًا لمنع الإيذاء عن أبناء جنسه ويكون الطلب منه عليهم ومنع المتظاهرين بالإسلام عنهم‏.‏
واستهل شهر ربيع الأول بيوم السبت سنة 1230 في تاسعه وصلت قافلة طيارى من الحجاز قدم صحبتها السيد عبد الله القماعي ومعها هجانة من الحجاز وعلى يدهم مكاتبات وفيها الأخبار والبشرى بنصرة الباشا على العرب وأنه استولى على تربة وغنم منها جمالًا وغنائم وأخذ منهم أسرى فلما وصلت الأخبار بذلك انطلق المشردون إلى بيوت الأعيان لأخذ البقاشيش وضربوا في صبحها مدافع كثيرة من القلعة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره كان المولد النبوي فنودي في صبحه بزينة المدينة وبولاق ومصر القديمة ووقود القناديل والسهر ثلاثة أيام بلياليها فلما أصبح يوم الأربعاء والزينة بحالها إلى بعد أذان العصر نودي برفعها ففرح أهل الأسواق بإزالتها ورفعها لما يحصل لهم من التكاليف والسهر في البرد والهواء خصوصًا وقد حصل في آخر ليلة رياح شديدة‏.‏
وفي هذه الأيام سافر محمود بك والمعلم غالي ومن يصحبهما من النصارى الأقباط وأخذوا معهم طائفة من الكتبة الأفندية المختصين بالروزنامة ومنهم محمد أفندي المنفصل عن الروزنامة ونزلوا لإعادة قياس الأراضي وتحرير الري والشراقي وسبقهم القياسون بالأقصاب نزلوا وسرحوا قبلهم بنحو عشرة أيام وشرع كشاف النواحي في قبض الترويجة من المزارعين وفرضوا على كل فدان الأدنى تسعة ريالات إلى خمسة عشر بحسب جودة الأراضي ورداءتها وهذا الطلب في غير وقته لأنه لم يحصل حصاد للزرع وليس عند الفلاحين ما يقتاتون منه ومن العجب أنه لم يقع مطر في هذه السنة أبدًا ومضت أيام الشتاء ودخل فصل الربيع ولم يقع غيث أبدًا سوى ما كان يحصل في بعض الأيام من غيوم وأهوية غربية ينزل مع هبوبها بعض رشاش قليل لا تبتل الأرض منه ويجف بالهواء بمجرد نزوله‏.‏
وفي أواخره ورد لحضرة الباشا هدية من بلاد الإنكليز وفيها طيور مختلفة الأجناس والأشكال كبار وصغار وفيها ما يتكلم ويحاكى وآلة مصنوعة لنقل الماء يقال لها الطلمبه وهي تنقل الماء إلى المسافة البعيدة ومن الأسفل إلى العلو ومرآة زجاج نجف كبيرة قطعة واحدة وساعة تضرب مقامات موسيقى في كل ربع يمضي من الساعة بأنغام مطربة وشمعدان به حركة غريبة كلما طالت فتيلة الشمعة غمز بحركة لطيفة فيخرج منه شخص لطيف من جانبه فيقط رأس الفتيلة وفيه عملوا تسعيرة على المبيعات والمأكولات مثل اللحم والسمن والجبن والشمع ونادوا بنقص أسعارها نقصًا فاحشًا وشددوا في ذلك بالتنكيل والشنق والتعليق وخرم الآناف فارتفع السمن والزبد والزيت من الحوانيت وأخفوه وطفقوا يبيعونه في العشيات بالسعر الذي يختارونه على الزبون وأما السمن فلكثرة طلبه لأهل الدولة شح وجوده وإذا ورد منه شيء خطفوه وأخذوه من الطريق بالسعر الذي سعره الحاكم وانعدم وجوده عند القبانية وإذا بيع منه شيء بيع سرابًا قصى الثمن وأما السكر والصابون فبلغا الغاية في غلو الثمن وقلة الوجود لأن إبراهيم باشا احتكر السكر بأجمعه الذي يأتي من الصعيد وليس بغير الجهة القبلية شيء منه فيبيعه على ذمته وهو في الحقيقة لأبيه ثم صار نفس الباشا يعطي لأهل المطابخ بالثمن الذي يعنيه عليهم ويشاركهم في ربحه فزاد غلو ثمنه على الناس وبيع الرطل من السكر الصعيدي الذي كان يباع بخمسة أنصاف فضة بثمانين نصفًا وأما الصابون ففرضوا على تجاره غرامة فامتنع وجوده وبيع الرطل الواحد منه خفية بستين نصفًا وأكثر وفي هذه الأيام غلا سعر الحنطة والفول وبيع الأردب بألف ومائتي نصف فضة خلاف الكلف والأجرة مع أن الأهراء والشون ببولاق ملآنة بالغلال ويأكلها السوس ولا يخرجون منها للبيع شيئًا حتى قيل لكتخدا بك في إخراج شيء منها يباع في الناس فلم يأذن وكأنه لم يكن مأذونًا من مخدومه‏.‏
في ثامنه عمل محرم بك الكورنتينة بالجيزة على نسق السنة الماضية من إخراج الناس وإزعاجهم تطيرًا خوفًا من الطاعون‏.‏
وفيه خوزقوا شيخ عرب بلى فيما بين العرب والهلايل بعد حبسه أربعة أشهر‏.‏
وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه ضربت مدافع وأشيع الخبر بوصول شخص عسكري بمكاتبات من الباشا وخلافه والخبر بقدوم الباشا وانتشرت المبشرون إلى بيوت الأعيان وأصحاب المظاهر على عاداتهم لأخذ البقاشيش فمن قائل أنه وصل إلى القصير ومن قائل أنه نزل إلى السفينة بالبحر ومنهم من يقول أنه حضر إلى السويس ثم اختلفت الروايات وقالوا أن الذي وصل إلى السويس حريم الباشا فقط ثم تبين كذب هذه الأقاويل وأنها مكاتبات فقط مؤرخة أواخر شهر صفر يذكرون فيها أن الباشا حصل له نصر واستولى على ناحية يقال لها بيشة ورينة وقتل الكثير من الوهابيين وأنه عازم على الذهاب إلى ناحية قنفدة ثم ينزل بعد ذلك إلى البحر ويأتي إلى مصر ووصل الخبر بوفاة الشيخ إبراهيم كاتب الصرة‏.‏ واستهل

يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 05:04 PM   #139
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تااااااااااااابع

شهر جمادى الأول بيوم الثلاثاء سنة 1230

في سادسه يوم الأحد ضربت مدافع بعد الظهيرة لورود مكاتبة بأن الباشا استولى على ناحية وفي يوم الجمعة ثامن عشره وصل المحمل إلى بركة الحج وصحبته من بقي من رجال الركب مثل خطيب الجبل والصيرفي والمحملجية ووردت مكاتبات بالقبض على طامي الذي جرى منه ما جرى في وقائع قنفدة السابقة وقتله العساكر فلم يزل راجح الذي اصطلح مع الباشا ينصب له الحبائل حتى صاده وذلك أنه عمل لابن أخيه مبلغًا من المال إن هو أوقعه في شركه فعمل له وليمة ودعاه إلى محله فأتاه آمنًا فقبض عليه واغتاله طمعًا في المال وأتوا به إلى عرضي الباشا فوجهه إلى بندر جدة في الحال وأنزلوه السفينة وحضروا به إلى السويس وعجلوا بحضوره فلما وصل إلى البركة والمحمل إذ ذاك بها خرجت جميع العساكر في ليلة الاثنين حادي عشرينه وانجروا في صبحها طوائف وخلفهم المحمل مبعد مرورهم دخلوا بطامي المذكور وهو راكب على هجين وفي رقبته الحديد والجنزير مربوط في عنق الهجين وصورته رجل شهم عظيم اللحية وهو لابس عباءة عبدانية ويقرأ وهو راكب وعملوا في ذلك اليوم شنكًا ومدافع وحضر أيضًا عابدين بك وتوجه إلى داره في ليلة الاثنين‏.‏
واستهل شهر جمادى الثانية بيوم الخميس سنة 1230 في خامسه وصلت عساكر في داوات إلى السويس وحضروا إلى مصر وعلى رؤوسهم شلنجات فضة إعلامًا وإشارة بأنهم مجاهدون وعائدون من غزو الكفار وأنهم افتتحوا بلاد الحرمين وطردوا المخالفين لديانتهم حتى أن طوسون باشا وحسن باشا كتبا في إمضائهما على المراسلات بعد اسمهما لفظة المغازي والله أعلم بخلقه‏.‏
وفي تاسعه أخرجوا عساكر كثيرة وجوههم إلى الثغور ومحافظة الأساكل خوفًا من طارق يطرق الثغور لأنه أشيع أن بونابارته كبير الفرنساوية خرج من الجزيرة التي كان بها ورجع إلى فرنسا وملكها وأغار على بلاد الجورنة وخرج بعمارة كبيرة لا يعلم قصده إلى أي جهة يريد فربما طرق ثغر الإسكندرية أو دمياط على حين غفلة وقيل غير ذلك وسئل كتخدا بك عن سبب خروجهم فقال خوفًا عليهم من الطاعون ولئلا يوخموا المدينة لأنه وقع في هذه السنة موثان بالطاعون وهلك الكثير من العسكر وأهل البلدة والأطفال والجواري والعبيد خصوصًا السودان فإنه لم يبق منهم إلا القليل النادر وخلت منهم الدور‏.‏
وفي منتصفه أخرج كتخدا بك صدقة تفرق على الأولاد الأيتام الذين يقرؤون بالكتاتيب ويدعون برفع الطاعون فكانوا يجمعونهم ويأتي بهم فقهاؤهم إلى بيت حسن كتخدا الكتخدا عند مصلى ويدفعون لكل صغير ورقة بها ستون نصفًا فضة يأخذ منها جزأ الذي يجمع الطائفة منهم ويدعى أنه معلمهم زيادة عن حصته لأن معلم المكاتب مغلوقة وليس بها أحد بسبب تعطيل الأوقاف وقطع إيرادهم وصار لهذه الأطفال جلبة وغوغاء في ذهابهم ورجوعهم في الأسواق وعلى بيت الذي يقسم عليهم‏.‏
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة 1230 في سادسه يوم الأربعاء وصلت هجانة من ناحية قبلي وأخبروا بوصول الباشا إلى القصير فخلع عليهم كتخدا بك كساوى ولم يأمر بعمل شنك ولا مدافع حتى يتحقق صحة الخبر‏.‏
وفي ليلة الجمعة ثامنه احترق بيت طاهر باشا بالأزبكية والبيت الذي بجواره أيضًا‏.‏
وفي يوم الجمعة المذكور قبل العصر ضربت مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وذلك عندما ثبت وتحقق ورود الباشا إلى قنا وقوص ووصل أيضًا حريم الباشا وطلعوا إلى قصر شبرا وركب للسلام عليها جميع نساء الأكابر والأعيان بهداياهم وتقادمهم ومنعوا المارين من المسافرين والفلاحين الواصلين من الأرياف المرور من تحت القصر الذي هو الطريق المعتادة للمسافرين فكانوا يذهبون ويمرون من طريق استحدثوها منعطفة خلف تلك الطريق ومستبعدة بمسافة طويلة‏.‏
وفي ليلة الخميس رابع عشره انخسف جرم القمر جميعه بعد الساعة الثالثة وكان في آخر برج وفي ليلة الجمعة خامس عشره وصل الباشا إلى الجيزة ليلًا فأقام بها إلى آخر الليل ثم حضر إلى داره بالأزبكية فأقام بها يومين وحضر كتخدا بك وأكابر دولته للسلام عليه فلم يأذن لأحد وكذلك مشايخ الوقت ذهبوا ورجعوا ولم يجتمع به أحد سوى ثاني يوم وترادفت عليه التقادم والهدايا من كل نوع من أكابر الدولة والنصارى بأجناسهم خصوصًا الأرمن وخلافهم بكل صنف من التحف حتى السراري البيض بالحلي والجواهر وغير ذلك وأشيع في الناس في مصر وفي القرى بأنه تاب عن الظلم وعزم على إقامة العدل وأنه نذر على نفسه أنه إذا رجع منصورًا واستولى على أرض الحجاز أفرج للناس عن حصصهم ورد الأرزاق الأحباشية إلى أهلها وزادوا على هذه الإشاعة أنه فعل ذلك في جميع النواحي وباتوا يتخيلونه في أحلامهم ولما مضى من وقت حضوره ثلاثة أيام كتبوا أوراقًا لمشاهير الملتزمين مضمونها أنه بلغ حضرة أفندينا ما فعله الأقباط من ظلم الملتزمين والجور عليهم في فائظهم فلم يرض بذلك والحال أنكم تحضرون بعد أربعة أيام وتحاسبون على فائظكم وتقبضونه فغن أفندينا لا يرضى بالظلم وعلى الأوراق إمضاء الدفتردار ففرح أكثر المغفلين بهذا الكلام واعتقدوا صحته وأشاعوا أيضًا أنه نصب تجاه قصر شبرا خوازيق للمعلم غالي وأكابر القبط‏.‏
وفي رابع عشرينه حضر الكثير من أصحاب الأرزاق الكائنين بالقرى والبلاد مشايخ وأشرافًا وفلاحين ومعهم بيارق وأعلام مستبشرين وفرحين بما سمعوه وأشاعوه وذهبوا إلى الباشا وهو يعمل رماحة بناحية القبة برمي بنادق كثيرة وميدان تعليم فلما رآهم وأخبروه عن سبب مجيئهم فأمر بضربهم وطردهم ففعلوا بهم ذلك ورجعوا خائبين‏.‏
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما وقابلا الباشا وخلع عليهما وكساهما وألبسهما فراوي سمور فركب المعلم غالي وعليه الخلعة وشق من وسط المدينة وخلفه عدة كثيرة من الأقباط ليراه الناس ويكمد الأعداء ويبطل ما قيل من التقولات ثم أقام هو ومحمود بك أيامًا قليلة ورجعا لأشغالهما وتتميم أفعالهما من تحرير القياس وجبي الأموال وكانا أرسلا قبل حضورهما عدة كثيرة من الجمال الحاملة للأموال في كل يوم قطارات بعضها أثر بعض من الشرقية والغربية والمنوفية وباقي الأقاليم‏.‏
وفيه حضر شيخ طرهونة بجهة قبلي ويسمى كريم بضم الكاف وفتح الراء وتشديد الياء وسكون الميم وكان عاصيًا على الباشا ولم يقابله أبدًا فلم يزل يحتال عليه إبراهيم باشا ويصالحه ويمنيه حتى أتى إليه وقابله وأمنه فلما حضر الباشا أبوه من الحجاز أتاه على أمان ابنه وقدم معه هدية وأربعين من الإبل فقبل هديته ثم أمر برمي عنقه بالرميلة‏.‏
والناس في أمر مريج من قطع أرزاقهم وأرباب الالتزامات والحصص التي ضبطها الباشا ورفع أيديهم عن التصرف في شيء منها خلاطين الأوسية فإنه سامحهم فيه سوى ما زاد عن الروك الذي قاسوه فإنه لديوانه ووعدهم بصرف المال الحر المعين بالسند الديواني فقط بعد التحرير والمحاققة ومناقضة الكتبة الأقباط في القوائم وأقاموا منتظرين إنجاز وعده أيامًا يغدون ويروحون ويسألون الكتبة ومن له صلة بهم وقد ضاق خناقهم من التفليس وقطع الإيراد ورضوا بالأقل وتشوقوا لحصوله وكل قليل يعدون بعد أربعة أيام أو ثلاثة أيام حتى تحرر الدفاتر فإذا تحررت قيل أن الباشا أمر بتغييرها وتحريرها على نسق آخر ويكرر ذلك ثانيًا وثالثًا على حسب تفاوت المتحصل في السنين وما يتوفر في الخزينة قليلًا أو كثيرًا‏.‏
وفيه وصل رجل تركي على طريق دمياط يزعم أنه عاش من العمر زمنًا طويلًا وأنه أدرك أوائل القرن العاشر ويذكر أنه حضر إلى مصر مع السلطان سليم وأدرك وقته وواقعته مع السلطان الغوري وكان في ذلك الوقت تابعًا لبعض البيرقدارية وشاع ذكره وحكي من رآه أن ذاته تخالف دعواه وامتحنه البعض في مذاكرة الأخبار والوقائع فحصل منه تخليط ثم أمر الباشا بنفيه وإبعاده فأنزلوه في مركب وغاب خبره فيقال أنهم أغرقوه والله أعلم‏.‏
وفي خامس عشرينه عملوا الديوان ببيت الدفتردار وفتحوا باب صرف الفائظ على أرباب حصص الالتزام فجعلوا يعطون منه جانبًا وأكثر ما يعطونه نصف القدر الذي قرروه وأقل وأزيد قليلًا‏.‏
وفيه أمر الباشا لجميع العساكر بالخروج إلى الميدان لعمل التعليم والرماحة خارج باب النصر حيث قبة العزب فخرجوا من ثلث الليل الأخير وأخذوا في الرماحة والبندقة المتواصلة المتتابعة مثل الرعود على طريقة الإفرنج وذلك قبيل الفجر إلى الضحوة ولما انقضى ذلك رجعوا داخلين إلى المدينة في كبكبة عظيمة حتى زحموا الطرق بخيولهم من كل ناحية وداسوا أشخاصًا من الناس بخيولهم بل وحميرًا أيضًا وأشيع أن الباشا قصده إحصاء العسكر وترتيبهم على النظام الجديد وأوضاع الإفرنج ويلبسهم الملابس المقمطة ويغير شكلهم وركب في ثاني يوم إلى بولاق وجمع عساكر ابنه إسمعيل باشا وصنفهم على الطريقة المعروفة بالنظام الجديد وعرفهم قصده فعل ذلك بجميع العساكر ومن أبى ذلك قابله بالضرب والطرد والنفي بعد سلبه حتى من ثيابه ثم ركب من بولاق وذهب إلى شبرا وحصل في العسكر قلقلة ولغط وتناجوا فيما بينهم وتفرق الكثير منهم عن مخاديمهم وأكابرهم ووافقهم على النفور بعض أعيانهم واتفقوا على غدر الباشا ثم أن الباشا ركب من قصر شبرا وحضر إلى بيت الأزبكية ليلة الجمعة ثامن عشرينه وقد اجتمع عند عابدين بك بداره جماعة من أكابرهم في وليمة وفيهم حجو بك وعبد الله آغا صاري جلة وحسن آغا الأزرنجلي فتفاوضوا بينهم أمر الباشا وما هو شارع فيه واتفقوا على الهجوم عليه في داره بالأزبكية في الفجرية ثم إن عابدين بك غافلهم وتركهم في إنسهم وخرج متنكرًا مسرعًا إلى الباشا وأخبره ورجع إلى أصحابه فأسرع الباشا في الحال الركوب في سادس ساعة من الليل وطلب عساكر طاهر باشا فركبوا معه وحوط المنزل بالعساكر ثم أخلف الطريق وذهب على ناحية الناصرية ومرمى النشاب وصعد إلى القلعة وتبعه من يثق به من العساكر وانخرم أمر المتوافقين ولم يسعهم الرجوع عن عزيمتهم فساروا إلى بيت الباشا يريدون نهبه فمانعهم المرابطون وتضاربوا بالرصاص والبنادق وقتل بينهم أشخاص ولم ينالوا غرضًا فساروا على ناحية القلعة واجتمعوا بالرميلة وقراميدان وتحيروا في امرهم واشتد غيظهم وعلموا أو وقوفهم بالرميلة لا يجدي شيئًا وقد أظهروا المخاصمة ولا ثمرة تعود عليهم في رجوعهم وسكونهم بل ينكسف بالهم وتنذل أنفسهم ويلحقهم اللوم من أقرانهم الذين لم ينضموا إليهم فأجمع رأيهم لسور طباعهم وخبث عقيدتهم وطرائقهم أنهم يتفرقون في شوارع المدينة وينهبون متاع الرعية وأموالهم فإذا فعلوا ذلك فيكثر جمعهم وتقوى شوكتهم ويشاركهم المخلفون عنهم لرغبة الجميع في القبائح الذميمة ويعودون بالغنيمة ويحوصلون من الحواصل ولا يضيع سعيهم في الباطل كما يقال في المثل ما قدر على ضرب الحمار فضرب البرذعة ونزلوا على وسط قصبة المدينة على الصليبة على السروجية وهم يكسرون ويهشمون أبواب الحوانيت المغلوقة وينهبون ما فيها لأن الناس لما تسامعوا بالحركة أغلقوا حوانيتهم وأبوابهم وتركوا أسبابهم طلبًا للسلامة وعندما شاهد باقيهم ذلك أسرعوا للحوق وبادروا معهم للنهب والخطف بل وشاركهم الكثير من الشطار والزعر والعامة المقلين والجياع ومن لا دين له وعند ذلك كثر جمعهم ومضوا على طريقهم إلى قصبة رضوان إلى داخل باب زويلة وكسروا حوانيت السكرية وأخذوا ما وجدوه من الدراهم وما أحبوه من أصناف السكر فجعلوا يأكلون ويحملون ويبددون الذي لم يأخذوه ويلقونه تحت الأرجل في الطريق وكسروا أواني الحلو وقدور المربيات وفيها ما هو من الصيني والبياغوري والإفرنجي ومجامع الأشربة وأقراص الحلو الملونة والرشال والملبس والفانيد والحماض والبنفسج وبعد أن يأكلوا ويحملوا هم وأتباعهم ومن انضاف لهم من الأوباش البلدية والحرافيش والجعيدية يلقون ما فضل عنهم على قارعة الطريق بحيث صار السوق من حد باب زويلة إلى المناخلية مع اتساعه وطوله مرسومًا ومنقوشًا بألوان السكاكر وأقراص الأشربة الملونة وأعسال المربيات سائلة على الأرفن وكان أهل ذلك السوق المتسببون جددوا وطبخوا أنواع المربيات والأشربة عند وفور الفواكه وكثرتها في أوانها وهو هذا الشهر المبارك مثل الخوخ والتفاح والبرقوق والتوت والقرع المسير والحصرم والسفرجل وملئوا الأوعية وصففوها على حوانيتهم للمبيع وخصوصًا على موسم شهر رمضان ومضوا في سيرهم إلى العقادين الرومي والغورية والأشرفية وسوق الصاغة ووصلت طائفة إلى سوق مرجوس فكسروا أبواب الحوانيت والوكائل والخانات ونهبوا ما في حواصل التجار من الأقمشة المحلاوي والبز والحرير والزردخان ولما وصلت طائفة إلى رأس خان الخليلي وأرادوا العبور والنهب فزعت فيهم الأتراك والأرنؤد الذين يتعاطون التجارة الساكنون بخان اللبن والنحس وغيرهما وضربوا عليهم الرصاص وكذلك من سوق الصرماتية والأتراك الخردجية الساكنون بالرباع بباب الزهومة جعلوا يرمون عليهم من الطيقان بالرصاص حتى ردوهم ومنعوهم وكذلك تعصبت طائفة المغاربة الكائنون بالفحامين وحارة الكعكيين رموا عليهم بالرصاص وطردوهم عن تلك الناحية وأغلقوا البوابات التي على رؤوس العطف وجلس عند كل درب أناس ومن فوقهم أناس من أهل الخطة بالرصاص تمنع الواصل إليهم ووصلت طائفة إلى خان الحمزاوي فعالجوا في بابه حتى كسروا الخوخة التي في الباب وعبروا الخان وكسروا حواصل التجار من نصارى الشوام وغيرهم ونهبوا ما وجدوه من النقود وأنواع الأقمشة الهندية والشامية والمقصبات وبالات الجوخ والقطيفة والأسطوفة وأنواع الشيت والحرير الخام والإبريسم وغير ذلك وتبعهم الخدم والعامة في نهب وأخرجوا في الدكاكين والحواصل من أنواع الأقمشة وأخذوا ما أعجبهم واختاروه وانتقوه وتركوا ما تركوه ولم يقدروا على حمله مطروحًا على الأرض ودهليز الخان وخارج السوق يطئون عليه بالأرجل والنعالات ويعدو القوي على الضعيف فيأخذ ما معه من الأشياء الثمينة وقتل بعضهم البعض وكسروا أبواب الدكاكين التي خارج الخان بالخطة وأخرجوا ما فيها من الأواني والتحف الصيني والزجاج المذهب والكاسات البلور والصحون والأطباق والفناجين البيشة وأنواع الخردة وأخذوا ما أعجبهم وما وجدوه من نقود ودراهم وهمشوا البواقي وكسروه وألقوه على الأرض يحي الأرجل شقاقًا وما به من حوانيت العطارين وطرحوا أنواع الأشياء العطرية بوسط الشارع تداس بالأرجل أيضًا وفعلوا ما لا خير فيه من نهب أموال الناس والإتلاف ولولا الذين تصدوا لدفعهم ومنعهم بالبنادق والكرانك وغلق البوابات لكان الوقع أفظع من ذلك ولنهبوا أيضًا البيوت وفجروا بالنساء والعياذ بالله ولكن الله سلم وشاركهم في فعلهم الكثير من الأوباش والمغاربة المدافعين أيضًا فإنهم أخذوا أشياء كثيرة وكانوا يقبضون على من يمر بهم ممن يقدرون عليه من النهابين ويأخذون ما معهم لأنفسهم وإذا هشمت العساكر حانوتًا وخطفوا منها شيئًا ولحقهم من يطردهم عنها استأصل اللاحقون ما فيها واستباح الناس أموال بعضهم البعض وكان هذا الحادث الذي لم نسمع بنظيره في دولة من الدول في ظرف خمس ساعات وذلك من قبيل صلاة الجمعة إلى قبيل العصر حصل للناس في هذه المدة اليسيرة من الانزعاج والخوف الشديد ونهب الأموال وإتلاف الأسباب والبضائع ما لا يوصف ولم تصل الجمعة في ذلك اليوم وأغلقت المساجد الكائنة بداخل المدينة وأخذ الناس حذرهم ولبسوا أسلحتهم وأغلقوا البوابات وقعدوا على الكرانك والمرابط والمتاريس وسهروا الليالي وأقاموا على التحذر والتحفظ والتخوف أيامًا وليالي‏.‏
وفي يوم السبت تاسع عشرينه الموافق لآخر يوم من شهر أبيب القبطي أوفى النيل المبارك أذرعه وكان ذلك اليوم أيضًا ليلة رؤية هلال رمضان فصادف حصول الموسمين في آن واحد فلم يعمل فيها موسم ولا شنك على العادة ولم يركب المحتسب ولا أرباب الحرف بموكبهم وطبولهم وزمورهم وكذلك شنك قطع الخليج وما كان يعمل في ليلته من المهرجان في النيل وسواحله وعند السد وكذلك في صبحه وفي البيوت المطلة على الخليج فبطل ذلك جليعه ولم يشعر بهما أحد وصام الناس باجتهادهم وكان وفاء النيل في هذه السنة من النوادر فإن النيل لم تحصل فيه الزيادة بطول الأيام التي مضت من شهر أبيب إلا شيئًا يسيرًا حتى حصل في الناس وهم زائد وغلا سعر الغلة ورفعوها من السواحل والعرصات فأفاض المولى في النيل واندفعت فيه الزيادة العظيمة وفي ليلتين أوفى أذرعه قبل مظنته فإن الوفاء لا يقع في الغالب إلا في شهر مسرى ولم يحصل في أواخر أبيب إلا في النادر وإني لم أدركه في سنين عمري أو في أبيب إلا مرة واحدة وذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف فتكون المدة بين تلك وهذه المدة سبعًا وأربعين وفيه أرسل الباشا بطلب السيد محمد المحروقي فطلع إليه وصحبته عدة كبيرة من عسكر المغاربة لخفارته فلما واجهه قال له هذا الذي حصل للناس من نهب أموالهم في صحائفي والقصد أنكم تتقدمون لأرباب المنهوبات وتجمعونهم بديوان خاص طائفة بعد أخرى وتكتبون قوائم لكل طائفة بما ضاع لها على وجه التحرير والصحة وأنا أقوم لهم بدفعه بالغًا ما بلغ فشكر له ودعا له ونزل إلى داره وعرف الناس بذلك وشاع بينهم فحصل لأربابه بعض الاطمئنان وطلع إلى الباشا كبار العسكر مثل عابدين بك ودبوس أوغلي وحجو بك ومحو بك واعتذروا وتنصلوا وذكروا وأقروا أن هذا الواقع اشتركت فيه طوائف العسكر وفيهم من طوائفهم وعساكرهم ولا يخفاه خبث طباعهم فتقدم إليهم بأن يتفقدوا بالفحص وإحصاء ما حازه وأخذه كل من طوائفهم وعساكرهم وشدد عليهم في الأمر بذلك فأجابوه بالسمع والطاعة وامتثلوا لأمره وأخذوا في جمع ما يمكنهم وإرساله إلى القلعة وركبوا وشقوا بشوارع المدينة وأمامهم المناداة بالأمان وأحضر الباشا المعمار وأمره بجمع النجارين والمعمرين وإشغالهم في تعمير ما تكسر من أخشاب الدكاكين والأسواق ويدفع لهم أجرتهم وكذلك الأخشاب على طرف الميري‏.‏
واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين سنة 1230 والناس في أمر مريج وتخوف شديد وملازمون للسهر على الكرنك ويتحاشون المشي والذهاب والمجيء وكل أهل خطة ملازم لخطته وحارته كل وقت يذكرون وينقلون بينهم روايات وحكايات ووقائع مزعجات وتطاولت أيدي العساكر بالتعدي والأذية والفتك والقتل لمن ينفردون به من الرعية‏.‏
وفي ثاني ليلة طلع السيد محمد المحروقي وطلع صحبته الشيخ محمد الدواخلي نقيب الأشراف وابن الشيخ العروسي وابن الصاوي المتعينون في مشيخة الوقت وصحبتهم شيخ الغورية وطائفته وقد ابتدؤا بهم في إملاء ما نهب لهم من حوانيتهم بعدما حرروها عند السيد محمد المحروقي وتحليفهم بعد الإملاء على صدق دعواهم وبعد التحليف والمحاققة يتجاوزعن بعضه لحضرة الباشا ثم يثبتون له الباقي فاستقر لأهل الغورية خاصة مائة وثمانون كيسًا فدفع لهم ثلثيها وأخر لهم الثلث وهو ستون كيسًا يستوفونها فيما بعد أما عن عروضهم إن ظهر لهم شيء منها أو من الخزينة ولازم الجماعة الطلوع والنزول في كل ليلة لتحرير بواقي المنهوبات وأيضًا استقر لأهل خان الحمزاوي نحو ثلاثة آلاف كيس كذلك ولطائفة السكرية نحو من سبعين كيسًا خصمت لهم من ثمن السكر الذي يبتاعونه من الباشا واستمر الباشا بالقلعة يدير أموره ويجب قلوب الناس من الرعية وأكابر دولته بما يفعله من بذل المال ورد المنهوبات حتى ترك الناس يسخطون على العسكر ويترضون عنه ولو لم يفعل ذلك وسارت العساكر هذه الثورة ولم يقع منهم نهب ولا تعد لساعدتهم الرعية واجتمعت عليهم أهالي القرى وأرباب الإقطاعات لشدة نكايتهم من الباشا بضبط الرزق والالتزامات وقياس الأراضي وقطع المعايش وذلك من سوء تدبير العسكر وسعادة الباشا وحسن سياسته باستجلابه الخواطر وتملقه بالكلام اللين والتصنع ويلوم على فعل العسكر ويقول بمسمع الحاضرين ما ذنب الناس معهم خصوصًا خصامهم معي أو مع الرعية ها أنا لي منزل بالأزبكية فيه أموال وجواهر وأمتعة وأشياء كثيرة وسراية ابني إسمعيل باشا ببولاق ومنزل الدفتردار ونحو ذلك ويتحسبل ويتحوقل ويعمل فكرته ويدبر أمره في أمر العسكر وعظمائهم وينقم عليهم ويعطيهم الأموال الكثيرة والأكياس العديدة لأنفسهم وعساكرهم وتنتبذ طائفة منهم ويقولون نحن لن ننهب ولم يحصل لنا كسب فيعطيهم ويفرق فيهم المقادير العظيمة فأنعم على عابدين بك بألف كيس ولغيره دون ذلك‏.‏
وفي أثناء ذلك أخرج جردة من عسكر الدلاة ليسافروا إلى الديار الحجازية فبرزوا إلى خارج باب الفتوح حيث المكان المسمى بالشيخ قمر ونصبوا هناك وطاقهم وخرجت أحمالهم وأثقالهم‏.‏
وفي ليلة الخميس ثارت طائفة الطبجية وخاضوا وضجوا وهم نحو الأربعمائة وطلبوا نفقة فأمر لهم بخمسة وعشرين كيسًا ففرقت فيهم الأربعمائة وطلبوا نفقة فأمر لهم بخمسة وعشرين كيسًا ففرقت فيهم فسكتوا وفي يوم الخميس المذكور نزل كتخدا بك وشق من وسط المدينة ونزل عند جامع الغورية وجلس فيه ورسم لأهل السوق بفتح حوانيتهم وأن يجلسوا فيها فامتثلوا وفتحوا الحوانيت وجلسوا على تخوف كل ذلك مع عدم الراحة والهدوء وتوقع المكروه والتطير من العسكر وتعدى السفهاء منهم في بعض الأحايين والتحزر والاحتراس وأما النصارى فإنهم حصنوا مساكنهم ونواحيهم وحاراتهم وسدوا المنافذ وبنو كرانك واستعدوا بالأسلحة والبنادق وأمدهم الباشا بالبارود ولآلات الحرب دون المسلمين حتى أنهم استأذنوا كتخدا بك في سد بعض الحارات النافذة التي يخشون وقوع الضرر منها فمنع من ذلك وأما النصارى فلم يمنعهم وقد تقدم ذكر فعله مع رضوان كاشف عندما سد باب داره وفتحه من جهة أخرى وعززه وضربه وبهدله بوسط الديوان‏.‏
وفيه وصل نجيب أفندي وهو قبي كتخدا الباشا عند الدولة إلى بولاق فركب إليه كتخدا بك وأكابر الدولة والآغا والوالي وقابلوه ونظموا له موكبًا من بولاق إلى القلعة ودخل من باب النصر وحضر صحبته خلع برسم الباشا وولده طوسون باشا وسفيان وشلنجان وهدايا وأحقاق تشوق مجوهرة وعملوا لوصوله شنكًا ومدافع من القلعة وبولاق‏.‏
وفيه ارتحل الدلاة المسافرون إلى الحجاز ودخل حجو بك إلى المدينة بطائفته‏.‏
وفي ضحوة ذلك اليوم بعد انفضاض أمر الموكب حصل في الناس زعجة وكرشات وأغلقوا البوابات والدروب واتصل هذا الإزعاج بجميع النواحي حتى بولاق ومصر القديمة ولم يظهر لذلك أصل ولا سبب من الأسباب مطلقًا‏.‏
وفي تلك الليلة ألبس الباشا حجو خلعة وتوجه بطرطور طويل وجعله أميرًا على طائفة من الدلاة وانخلع هو وأتباعه من طريقتهم التركية التي كانوا عليها وهؤلاء الطائفة التي يقال لهم دلاة ينسبون أنفسهم إلى طريقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثرهم من نواحي الشام وجبال الدروز والمتاولة وتلك النواحي يركبون الأكاديش وعلى رؤوسهم الطراطير السود مصنوعة من جلود الغنم الصغار طول الطرطور نحو ذراع وإذا دخل لكنيف نزعه من على رأسه ووضعه على عتبة الكنيف وما أدرى ذلك تعظيم له عن مصاحبته معه في الكنيف أو الخوف والحذر من سقوطه إن انصدم باسفكة الباب في صحن المرحاض أو الملاقي وهؤلاء الطائفة مشهورة في دولة العثمانيين بالشجاعة والإقدام في الحروب ويوجد فيهم من هو على طريقة حميدة ومنهم دون ذلك وقليل ما هم ولكونهم من تمام النظام رتبهم الباشا من أجناسه وأتراكه خلاف الأجناس الغريبة ومن بقي من أولئك يكون تبعًا لا متبوعًا‏.‏
وفي يوم الثلاثاء سادس عشره حصل مثل ذلك المتقدم من الانزعاج والكرشات بل أكثر من المرة الأولى ورمحت الرامحان وأغلقت الحوانيت وطلبت الناس السقائين الذين ينقلون الماء من الخليج وبيعت القربة بعشرة أنصاف فضة والراوية بأربعين فنزل الآغا وأغات التبديل وأمامهم المناداة بالأمان وينادون على العساكر أيضًا ومنهم من حمل البنادق ويأمرون الناس بالتحفظ واستمر هذا الأمر والارتجاج إلى قبيل العصر وسكن الحال وكثر مرور السقائين وبيعت القربة بخمسة أنصاف والراوية بخمسة عشر ولم يظهر لهذه الحركة سبب أيضًا وتقول الناس بطول نهار ذلك اليوم أصنافًا وأنواعًا من الروايات والأقاويل التي لا أصل لها‏.‏
وفي يوم الأربعاء سابع عشره حضر الشريف راجح من الحجاز ودخل المدينة وهو راكب على هجين وصحبته خمسة أنفار على هجن أيضًا معهم أشخاص من الأرنؤد من أتباع حسن باشا الذي بالحجاز فطلعوا به إلى القلعة ثم أنزلوه إلى منزل أحمد أغا أخي كتخدا بك‏.‏
وفي ليلة الخميس قلد الباشا عبد الله أغا المعروف بصاري جله وجعله كبيرًا على طائفة من الينكجرية أيضًا وجعل على رأسه الطربوش الطويل المرخي على ظهره كما هي عادتهم هو وأتباعه وكان من جملة المتهومين بالمخامرة على الباشا‏.‏
وفيه برز أمر الباشا لكبار العسكر بركوب جميع عساكرهم الخيول ومنعهم من حمل البنادق ولا يكون منهم راجل أو حامل للبندقية إلا من كان من أتباع الشرطة والأحكام مثل الوالي والآغا وأغات التبديل ولازم كتخدا بك وأيوب آغا تابع إبراهيم آغا أغات التبديل والوالي المرور بالشوارع والجلوس في مراكز الأسواق مثل الغورية والجمالية وباب الحمزاوي وباب زويلة وباب الخرق وأكثر أتباعهم مغطرون في نهار رمضان ومتجاهرون بذلك من غير احتشام ولا مبالاة بانتهاك حرمة شهر الصوم ويجلسون على الحوانيت والمساطب يأكلون ويشربون الدخان ويأتي أحدهم وبيده شبك الدخان فيدني مجمرته لأنف ابن البلد على غفلة منه وينفخ فيه على سبيل السخرية والهذيان بالصمائم وزادوا في الغي والتعدي وخطف النساء نهارًا وجهارًا حتى اتفق أوفي أن شخصًا منهم أدخل امرأة إلى جامع الأشرفية وزنى بها في المسجد بعد صلاة الظهر في نهار رمضان‏.‏
وفي أواخره عملوا حساب أهل سوق مرجوش فبلغ ذلك أربعمائة وخمسين كيسًا قبضوا ثلثيها وتأخر لهم الثلث كل ذلك خلاف النقود لهم ولغيرهم مثل تجار الحمزاوي وهو شيء كثير ومبالغ عظيمة فإن الباشا منع من ذكرها وقال لأي شيء يؤخرون في حوانيتهم وحواصلهم النقود ولا يتجرون فيها واتفق لتاجر من أهل سوق الجيوش أنه ذهب من حاصله من حواصل الخان ثمانية آلاف فرانسة فلم يذكرها ومات قهر وكذلك ضاع لأهالي خان الحمزاوي من صرر الأموال والنقود والودائع والرهونات والمصاغ والجوهر مما يرهنه النساء على ثمن ما يشترونه من التجار والتفاصيل والمقصبات أو على ما يتأخر عليهم من الأثمان ما لا يدخل تحت المحصر ويستحيا من ذكره وضاع لرجل يبيع الفسيخ والبطارخ تجاه الحمزاوي من حانوته أربعة آلاف فلم يذكرها وأمثال ذلك كثير وانقضى شهر رمضان والناس في أمر مريج وخوف وانزعاج وتوقع المكروه ولم ينزل الباشا من القلعة بطول الشهر وذلك على خلاف عادته فإنه لا يقدر على الاستقرار بمكان أيامًا وطبيعته الحركة حتى في الكلام وكبار العساكر والسيد محمد المحروقي ومن يصحبه من المشايخ ونقيب الأشراف مستمرون على الطلوع والنزول في كل يوم وليلة وللمتقيدين بالمنهوبين ديوان خاص وفرق الباشا كساوي العيد على أربابها ولم يظهر في هذه القضية شخص معين والكثير من العساكر الذين يمشون مع الناس في الأسواق يظهرون الخلاف والسخط ويظهر منهم التعدي ويخطفون عمائم الناس والنساء جهارًا ويتوعدون الناس بعودهم في النهب وكأنما بينهم وبين أهل البلدة عداوة قديمة أو ثارات يخلصونها منهم وفيهم من يظهر التأسف والتندم واللوم على المعتدين ويسفه رأيهم وهو المحروم الذي غاب على ذلك وبالجملة فكل ذلك تقادير إلهية وقضايا سماوية ونقمة حلت بأهل الإقليم وأهله من كل ناحية نسأل الله العفو والسلامة وحسن العاقبة ومما اتفق أن بعض الناس زاد بهم الوهم فنقل ماله من حانوته إلى منزله أو حرز آخر فسرقها السراق وحانوته أو حاصله لم يصبه ما أصاب غيره وتعدد نظير ذلك لأشخاص كثيرة وذلك من فعل أهل البلدة يراقبون بعضهم بعضًا ويداورونهم في أوقات الغفلات في مثل هذه الحركات ومنهم من اتهم خدمه وأتباعه وتهددهم وشكاهم إلى حكام الشرطة ويغرم مالًا على ذلك أيضًا وهم بريؤن ولا يفيده إلا ارتكاب الإثم والفضيحة وعداوة الأهل والخدم وزيادة الغرم وغالب ما بأيدي التجار أموال الشركاء والودائع والرهونات ويطلبه أربابها ومنهم قليل الديانة وذهب من حانوته أشياء وبقي أشياء فادعى ضياع الكل لقوة الشبهة‏.‏ واستهل يتبع


 
 توقيع :


قديم 1-1-2013, 05:06 PM   #140
رئيس مجلس الإدارة


الصورة الرمزية ابو جمال المنيس
ابو جمال المنيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Mar 2010
 أخر زيارة : اليوم (01:44 AM)
 المشاركات : 47,293 [ + ]
 التقييم :  45
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 اوسمتي
وسام النوايا الحسنه وسام القلب وسام الادارة شاعر المنتدى 
افتراضي



تاااااااابع

شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة 1230

وهو يوم عيد الفطر وكان في غاية البرودة والخمول عديم البهجة من كل شيء لم يظهر فيه من علامات الأعياد إلا فطر الصائمين ولم يغير أحد ملبوسه بل ولا فصل ثيابًا مطلقًا ولا شيئًا جديدًا ومن تقدم له ثوب وقطعه وفصله في شعبان تأخر عند الخياط مرهونًا على مصاريفه ولوازمه لتعطيل جمع الأسباب من بطانة وعقادة وغيرها حتى أنه إذا مات ميت لم يدرك أهله كفنه إلا بمشقة عظيمة وكسد في هذا العيد سوق الخياطين وما أشبههم من لوازم الأعياد ولم يعمل فيه كعك ولا شريك ولا سمك مملح ولا نقل ولم يخرجوا إلى الجبانات والمدافن أيضًا كعادتهم ولا نصبوا خيامًا على المقابر‏.‏
ولم يحسن في هذه الحادثة إلا امتناع هذه الأمور وخصوصًا خروج النساء إلى المقابر فإنه لا يخرج منهن إلا بعض حرافيشهن على تخوف ووقع لبعضهن من العسكر ما وقع عند باب النصر والجامع الأحمر‏.‏
وفي ثالثه نزل الباشا من القلعة من باب الجبل وهو في عدة من عسكر الدلاة والأتراك الخيالة والمشاة وصحبته عابدين بك وذهب إلى ناحية الآثار فعيد على يوسف باشا المنفصل عن الشام لأنه مقيم هناك لتغيير الهواء بسبب مرضه ثم عدى إلى الجيزة وبات بها عند صهره محرم بك ولما أصبح ركب السفائن وانحدر إلى شبرا وبات بقصره ورجع إلى منزله بالأزبكية ثم طلع إلى القلعة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء ثامنه عمل ديوانًا وجمع المشايخ المتصدرين وخاطبهم بقوله أنه يريد أن يفرج عن حصص الملتزمين ويترك لهم وساياهم يؤجرونها ويزرعونها لأنفسهم ويرتب نظامًا لأجل راحة الناس وقد أمر الأفندية كتاب الروزنامه بتحرير دفاتر وأمهلهم اثني عشر يومًا يحررون في ظرفها الدفاتر على الوجه المرضي فأثنوا عليه خيرًا ودعوا له فقال الشيخ الشنواني ونرجو من أفندينا أيضًا الإفراج عن الرزق الأحباسية كذلك فقال كذلك ننتظر في محاسبات الملتزمين ونحررها على الوجه المرضي أيضًا ومن أراد منهم أن يتصرف في حصته ويلتزم بخلاص ما تحرر عليها من المال الميري لجهة الديوان من الفلاحين بموجب المساحة والقياس صرفناه فيها وإلا أبقاها على طرفنا ويقبض فائظه الذي يقع عليه التحرير من الخزينة نقدًا وعدًا فدعوا له أيضًا وسكتوا فقال لهم تكلموا فإني ما طلبتكم إلا للمشاورة معكم فلم يفتح الله عليهم بكلمة يقولها أحدهم غير الدعاء له على أن الكلام ضائع لأنها حيل ومخادعة تروج على أهل الغفلات ويتوصل بها إلى إبراز ما يرومه من المرادات وعند ذلك انفض المجلس وانطلقت المبشرون على الملتزمين بالبشائر وهو الالتزام لتصرفهم ويأخذون منهم البقاشيش مع أن الصورة معلولة والكيفية مجهولة ومعظم السبب في ذكره ذلك أن معظم حصص الالتزام كان بأيدي العساكر وعظمائهم وزوجاتهم وقد انحرفت طباعهم وتكدرت أمزجتهم بمنعهم عنه وحجزهم عن التصرف ولم يسهل بهم ذلك فمنهم من كظم غيظه وفي نفسه ما فيها ومنهم من لم يطق الكتمان وبارز بالمخالفة والتسلط على من لا جناية عليه فلذلك الباشا أعلن في ديوانه بهذا الكلام بمسمع منهم لتسكن حدتهم وتبرد حرارتهم إلى أن يتم أمر تدبيره معهم‏.‏
وفيه وصلت هجانة وأخبار ومكاتبات من الديار الحجازية بوقوع الصلح بين طوسون باشا وعبد الله بن مسعود الذي تولى بعد موت أبيه كبيرًا على الوهابية وأن عبد الله المذكور ترك الحروب والقتال وأذعن للطاعة وحقن الدماء وحضر من جماعة الوهابية نحو العشرين نفرًا من الأنفار إلى طوسون باشا ووصل منهم اثنان إلى مصر فكأن الباشا لم يعجبه هذا الصلح ولم يظهر عليه علامات الرضا بذلك ولم يحسن نزل الواصلين ولما اجتمعا به وخاطبهما عاتبهما على المخالفة فاعتذرا وذكرا أن الأمير مسعودًا المتوفي كان فيه عناد وحدة مزاج وكان يريد الملك وإقامة الدين وأما ابنه الأمير عبد الله فإنه لين الجانب والعريكة ويكره سفك الدماء على طريقة سلفه الأمير عبد العزيز المرحوم فإنه كان مسالمًا للدولة حتى أن المرحوم الوزير يوسف باشا حين كان بالمدينة كان بينه وبينه غاية الصداقة ولم يقع بينهما منازعة ولا مخالفة في شيء ولم يحصل التفاقم والخلاف إلا في أيام الأمير مسعود ومعظم الأمر للشريف غالب بخلاف الأمير عبد الله فإنه أحسن السير وترك الخلاف وأمن الطرق والسبل للحجاج والمسافرين ونحو ذلك من الكلمات والعبارات المستحسنات وانقضى المجلس وانصرفا إلى المحل الذي أمرا بالنزول فيه ومعهما بعض أتراك ملازمون لصحبتهما مع أتباعهما في الركوب والذهاب والإياب فإنه أطلق لهما الإذن إلى أي محل أراده فكانا يركبان ويمران بالشوارع بأتباعهما ومن يصحبهما ويتفرجان على البلدة وأهلها ودخلا إلى الجامع الأزهر في وقت لم يكن به أحد من المتصدرين للإقراء والتدريس وسألوا عن أهل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه فقيل انقرضوا من أرض مصر بالكلية واشتريا نسخًا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغير ذلك وقد اجتمعت بهما مرتين فوجدت منهما أنسًا وطلاقة لسان واطلاعًا وتضلعًا ومعرفة بالأخبار والنوادر ولهما من التواضع وتهذيب الأخلاق وحسن الأدب في الخطاب والتفقه في الدين واستحضار الفروع الفقهية واختلاف المذاهب فيها ما يفوق الوصف واسم أحدهما عبد الله والآخر عبد العزيز وهو الأكبر حسنًا ومعنى‏.‏
وفي يوم السبت تاسع عشره خرجوا بالمحمل إلى الحصوة خارج باب النصر وشقوا به من وسط المدينة وأمير الركب شخص من الدلاة يسمى أوزون أوغلي وفوق رأسه طرطور الدالاتية ومعظم الموكب من عساكر الدلاة وعلى رؤسهم الطراطير السود بذاتهم المستشبعة وقد عم الإقليم المسخ في كل شيء فقد تغص الطبيعة وتتكدر النفس إذا شاهدت ذلك أو سمعت به وقد كانت نضارة الموكب السالفة في أيام المصريين ونظامها وحسنها وترتيبها وفخامتها وجمالها وزينتها التي لم يكن لها نظير في الربع المعمور ويضرب بها المثل في الدنيا كما قال قائلهم فيها مصر السعيدة ما لها من مثيل فيها ثلاثة من الهنا والسرور مواكب السلطان وبحر الوفا ومحمل الهادي نهار يدور فقد فقدت هذه الثلاثة في جملة المفقودات‏.‏
وفي ثالث عشرينه وصل قابجي وعلى يده تقرير ولاية مصر لمحمد علي باشا على السنة الجديدة فعملوا لذلك الواصل موكبًا من بولاق إلى القلعة وضربوا مدافع وشنكًا وبنادق‏.‏
في سادس عشره سافر الباشا إلى الإسكندرية وأخذ صحبته عابدين بك وإسمعيل باشا ولده وغيرهما من كبرائهم وعظمائهم وسافر أيضًا نجيب أفندي وسليمان أغا وكيل دار السعادة سابقًا تابع صالح بك المصري المحمدي إلى دار السلطنة وأصحب الباشا إلى الدولة وأكابرها الهدايا من الخيول والمهاري والسروج المكللة بالذهب واللؤلؤ والمخيش وتعابي الأقمشة الهندية المتنوعة من الكشمير والمقصبات والتحف ومن الذهب المضروب السكة أربعة قناطير ومن الفضة الثقيلة في الوزن والعيار عدة قناطير ومن السكر المكرر مرارًا وأنواع الشراب خافاه في القدور الصيني وغير ذلك‏.‏
وفيه وردت الأخبار بوصول طوسون باشا إلى الطور فهرعت أكابرهم وأعيانهم إلى ملاقاته وأخذوا في الاهتمام وإحضار الهدايا والتقادم وركبت الخوندات والنساء والستات أفواجًا أفواجًا يطلعن إلى القلعة ليهنين والدته بقدومه‏.‏
وفي غايته وصل طوسون باشا إلى السويس فضربوا مدافع إعلامًا بقدومه وحضر نجيب أفندي راجعًا من الإسكندرية لأجل ملاقاته لأنه قبي كتخدا اليوم أيضًا عند الدولة كما هو لوالده‏.‏
في رابعه يوم الاثنين نودي بزينة الشارع الأعظم لدخول طوسون باشا سرورًا بقدومه فلما أصبح يوم الثلاثاء خامسه احتفل الناس بزينة الحوانيت بالشارع وعملوا له موكبًا حافلًا ودخل من باب النصر وعلى رأسه الطلخان وشعار الوزارة وطلع إلى القلعة وضربوا في ذلك اليوم مدافع كثيرة وشنكًا وحراقات‏.‏
وفي ليلة الجمعة خامس عشره سافر طوسون باشا المذكور إلى الإسكندرية ليراه أبوه ويسلم هو عليه وليرى هو ولدًا له ولد في غيبته يسمى عباس بك أصحبه معه جده مع حاضنته وسنه دون السنتين يقال أن جده قصد إرساله إلى دار السلطنة فلم يمهل بأبيه ذلك وشق عليه ففارقه وخصوصًا كونه لم يره وسافر صحبة طوسون بك نجيب أفندي عائدًا إلى الإسكندرية‏.‏
وفي يوم السبت عشرينه حضر طوسون باشا إلى مصر راجعًا من الإسكندرية في تطريدة ومعه ولده فكانت مدة غيبته ذهابًا وإيابًا ثمانية أيام فطلع إلى القلعة وصار ينزل إلى بستان بطريق بولاق ظاهر التبانة عمره كتخدا بك وبنى به قصرًا فيقيم به غالب الأيام التي أقامها بمصر وانقضت السنة وما تجدد فيها من استمرار المبتدعات والمكوس والتحكير وإهمال السوقة والمتسبيين حتى عم غلو الأسعار في كل شيء حتى بلغ سعر كل صنف عشرة أمثال سعره في الأيام الخالية مع الحجر على الإيراد وأسباب المعايش فلا يهنا يعيش في الجملة إلا من كان مكاسًا أو في خدمة من خدم الدولة مع كونه على خطر فإنه وقع لكثير ممن تقدم في منصب أو خدمة أنه حوسب وأهين وألزم بما رافعوه فيه وقد استهلكه في نفقات نفسه وحواشيه فباع ما يملكه واستدان وأصبح ميؤوسًا مديونًا وصارت المعايش ضنكًا وخصوصًا الواقع في اختلاف المعاملات والنقود والزيادة في صرفها وأسعارها واحتجاج الباعة والتجار والمتسببين بذلك وبما حدث عليها من مال المكس مع طمعهم أيضًا وخصوصًا سفلة الأسواق وبياعي الخضارات والجزارين والزياتين فإنهم يدفعون ما هو مرتب عليهم للمحتسب مياومة ومشاهرة ويخلصون أضعافه من الناس ولا رادع لهم بل يسعرون لأنفسهم حتى أن البطيخ في أوان كثرته تباع الواحدة التي كانت تساوي نصفين بعشرين وثلاثين والرطل من العنب الشرقاوي الذي كان يباع في السابق بنصف واحد يبيعونه يومًا بعشرة ويومًا بإثني عشر ويومًا بثمانية وقس على ذلك الخوخ والبرقوق والمشمش وأما الزبيب والتين واللوز والبندق والجوز والأشياء التي يقال لها اليميش التي تجلب من بلاد الروم فبلغت الغاية في الثمن بل قد لا يوجد في أكثر الأوقات وكذلك ما يجلب من الشام مثل الملبن والقمر الدين والمشمش الحموي والعناب وكذلك الفستق والصنوبر وغير ذلك ما يطول شرحه ويزداد بطول الزمان قله‏.‏
ومات في هذه السنة العلامة الأوحد والفهامة الأمجد محقق عصره ووحيد دهره الجامع لأشتات العلوم والمنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم بقية الفصحاء والفضلاء المتقدمين والمتميز عن المتأخرين الشيخ محمد بن أحمد عرفة الدسوقي المالكي ولد ببلدة دسوق من قرى مصر وحضر إلى مصر وحفظ القرآن وجوده على الشيخ محمد المنير ولازم حضور دروس الشيخ علي الصعيدي والشيخ الدردير وتلقى الكثير من العقولات عن الشيخ محمد الجناجي الشهير الشافعي وهو مالكي ولازم الوالد حسنًا الجبرتي مدة طويلة وتلقى عنه بواسطة الشيخ محمد بن إسمعيل النفراوي علم الحكمة والهيئة والهندسة وفن التوقيت وحضر عليه أيضًا في فقه الحنفية وفي المطول وغيره برواق الجبرت بالأزهر وتصدر للإقراء والتدريس وإفادة الطلبة وكان فريدًا في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره ويفتح كل مغلق برائق تحريره ودرسه مجمع أذكياء الطلاب والمهرة من ذوي الأفهام والألباب مع لين جانب وديانة وحسن خلق وتواضع وعدم تصنع وإطراح تكلف جاريًا على سجيته لا يرتكب ما يتكلفه غيره من التعاظم وفخامة الألفاظ ولهذا كثر الآخذون عليه والمترددون إليه‏.‏
ومات الأستاذ الفريد واللوذعي المجيد الإمام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النحوي الأصولي الجدلي المنطقي الشيخ محمد المهدي الحفني ووالده من الأقباط وأسلم هو صغيرًا دون البلوغ على يد الشيخ الحفني وحلت عليه أنظاره وأشرقت عليه أنواره وفارق أهله وتبرأ منهم وحضنه الشيخ ورباه وأحبه واستمر بمنزله مع أولاده واعتنى بشأنه وقرأ القرآن ولما ترعرع اشتغل بطلب العلم وحفظ أبا شجاع وألفية النحو والمتون ولازم دروس الشيخ وأخيه يوسف وغيرهما من أشياخ الوقت مثل الشيخ العدوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ الدرير والبيلي والجمل والخرشي وعبد الرحمن المقري والشرقاوي وغيرهم واجتهد في التحصيل ليلًا ونهارًا ومهر وأنجب ولازم في غالب مجالس الذكر عن الشيخ الدردير بعد وفاة الشيخ الحفني وتصدر للتدريس في سنة تسعين ومائة وألف ولما مات الشيخ محمد الهلباوي سنة اثنتين وتسعين جلس مكانه بالأزهر وقرأ شرح الألفية لابن عقيل ولازم الإلقاء وتقرير الدروس مع الفصاحة وحسن البيان والتفهم وسلاسة التعبير وإيضاح العبارات وتحقيق المشكلات وما أمره وذكره وبعد صيته ولم يزل أمره ينمو واسمه يسمو مع حسن السمت ووجاهة الطلعة وجمال الهيئة وبشاشة الوجه وطلاقة اللسان وسرعة الجواب واستحضار الصواب في ترداد الخطاب ومسايرة الأصحاب‏.‏
وفارق الدنيا وأرسلوا إلى أولاده فحضر وأحملوه في تابوت إلى الدار الكبيرة بالمرسكي ليلًا وشاع موته وجهز وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل جدًا ودفن عند الشيخ الحنفي بجانب القبر فسبحان الحي الذي لا يموت‏.‏
ومات الأستاذ العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النبيه المهذب المتواضع الشيخ مصطفى بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الشهير بالصفوي القلعاوي الشافعي ولد في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وخمسين ومائة وألف وتفقه على الشيخ الملوي والسحيمي والبراوي والحفني ولازم شيخنا الشيخ أحمد العروسي وانتفع عليه وأذن له في الفتيا عن لسانه وجمع من تقريراته واقتطف من تحقيقاته وألف وصنف وكتب حاشية على ابن قاسم الغزي على أبي شجاع في الفقه وحاشية على شرح المطول للسعد التفتازائي على التلخيص وشرح شرح السمرقندي على الرسالة العضدية في علم الوضع وله منظومة في آداب البحث وشرحها ومنظومة المتن التهذيب في المنطق وشرحها وديوان شعر سماه إتحاف الناظرين في مدح سيد المرسلين وعدة من الرسائل في معضلات المسائل وغير ذلك وكان سكنه بقلعة الجبل ويأتي في كل يوم إلى الأزهر للإقراء والإفادة فلما أمر الباشا سكان القلعة بإخلائها والنزول منها إلى المدينة فنزلوا إلى المدينة وتركوا دورهم وأوطانهم نزل المترجم مع من نزل وسكن بحارة أمير الجيوش جهة باب الشعرية ولم يزل هناك حتى تمرض أيامًا وتوفي ليلة السبت سابع عشري شهر رمضان وصلي عليه بالأزهر ودفن بزاوية الشيخ سراج الدين البلقبني بحارة بين السيارج رحمه الله تعالى فإنه كان من أحسن من رأينا سمتًا وعلمًا وصلاحًا وتواضعًا وانكسارًا وانجماعًا عن خلطة الكثير من الناس مقبلًا على شأنه راضيًا مرضيًا طاهرًا نقيًا لطيف المزاج جدًا محبوبًا للناس عفا الله عنه وغفر لنا وله‏.‏
ومات الشيخ الفاضل الأجل الأمثل والوجيه المفضل الشيخ حسين بن حسن كناني بن علي المنصوري الحنفي تفقه على خاله الشيخ مصطفى بن سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي والشيخ أحمد الفارسي والشيخ عمر الديركي والشيخ محمد المصيلي وأقرأ في فقه المذهب دروسًا في محل جده لأمه بالأزهر وسكن داره بحارة الحبانية على بركة الفيل مع أخيه الشيخ عبد الرحمن ثم انتقلا في حوادث الفرنساوية إلى حارة الأزهر ولما كانت حادثة السيد عمر مكرم النقيب من مصر إلى دمياط وكتبوا فيه عرضًا للدولة وامتنع السيد أحمد الطحطاوي من الشهادة عليه كما تقدم وتعصبوا عليه وعزلوه من مشيخة الحنفية قلدوها المترجم فلم يزل فيها حتى تمرض وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشري لمحرم وصلي عليه بالأزهر ودفن بتربة المجاورين رحمه الله وإيانا‏.‏
ومات البليغ النجيب والنبيه الأريب نادرة الزمان وفريد الأوان أخونا ومحبنا في الله تعالى ومن أجله السيد إسمعيل بن سعد الشهير بالخشاب كان أبوه نجارًا ثم فتح له مخزنًا لبيع الخشب تجاه تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة وولد له المترجم وأخوه إبراهيم ومحمد وهو أصغرهما فتولع السيد إسمعيل المترجم بحفظ القرآن ثم بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من أفاضل الوقت وأنجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة وتثقيف اللسان والفروع الفقهية الواجبة والفرائض وتنزل في حرفة الشهادة بالمحكمة الكبيرة لضرورة التكسب في المعاش ومصارف العيال وتمسك بمطالعة الكتب الأدبية والتصوف والتاريخ وأولع بذلك وحفظ أشياء كثيرة من الأشعار والمراسلات وحكايات الصوفية وما تكلموا فيه من الحقائق حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات والماجريات وقال الشعر الرائق ونثر النثر الفائق وصحب بسبب ما احتوى عليه من دماثة الأخلاق ولطف السرايا وكرم الشمائل وخفة الروح كثيرًا من رابا المظاهر والرؤساء من الكتاب والأمراء والتجار‏.‏
ولم يزل المترجم على حالته ورقته ولطافته مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع بمعالي الأمور والتكسب وكثرة الإنفاق وسكنى الدور الواسعة والحزم وكان له صاحب يسمى أحمد العطار بباب الفتوح توفي وتزوج هو بزوجته وهي نصف وأقام معها نحو ثلاثين سنة ولها ولد صغير من المتوفي فتبناه ورباه ورفهه بالملابس وأشفق به إضعاف والد بولده بلغ عمل له مهما وزوجته ودعا الناس إلى ولائمه وأنفق عليه في ذلك أنفاقًا كثيرة وبعد نحو سنة تمرض ذلك الغلام أشهرًا فصرف عليه وعلى معالجته جملة من المال ومات فجزع عليه جزعًا شديدًا ويبكي وينتحب وعمل له مأتمًا وعزاء واختارت أمه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت وقراء واتخذت مسكنًا ملاصقًا لقبره وأقامت به نحو الثلاثين سنة مع دوام عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الأطعمة للمقرئين والزائرين ثم ملازمة الميت واتخاذ ما ذكر في كل جمعة على الدوام والمترجم طوع يدها في كل ما طلبته وما كلفته به تسخيرًا من الله تعالى وكل ما وصل إلى يده من حرام أو حلال فهو مستهلك عليها وعلى أقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية لأنها في ذاتها عجوز شوهاء وهو في نفسه نحيف البنية ضعيف الحركة جدًا بل معدومها وابتلي بحصر البول وسلسه القليل مع الحرقة والتألم استدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش أيامًا وتوفي يوم السبت ثاني شهر الحجة الحرام بمنزله الذي استأجره بدرب قرمز بين القصرين وصلينا عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن عند ابنه المذكور بالحسينية وكثيرًا ما كنت أتذكر قول القائل ومن تراه بأولاد السوي فرحًا في عقله عزه إن شئت وانتدب أولاد صلب الفتي قلت منافعهم فكيف يلمح نفع الأبعد الجنب مع أنه كان كثير الانتقاد على غيره فيما لا يداني فعله وانقياده إلى هذه المرأة وحواشيها نسأل الله السلامة والعافية وحسن العافية كما قيل من تكملة ما تقدم فلا سرور سوى نفع بعافية وحسن ختم وما يأتي من الشغب وأمن نكر نكير القبر ثمة ما يكون بعد من الأهوال والتعب‏.‏
واستهلت سنة 1231 استهل شهر المحرم بيوم السبت وحاكم مصر وصاحبها وأقطاعها وثغورها وكذلك بندر مكة وجدة والمدينة المنورة وبلاد الحجاز محمد علي باشا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولاظ محمد الذي هو كتخدابك قائم مقامه هو المتصدر لإجراء الأحكام بين الناس عن أمر مخدومه وإبراهيم آغا آغات الباب والدفتردار محمد أفندي صهر الباشا والروزنامجي مصطفى أفندي تابع محمد أفندي باش جاكرت سابقًا وغيطاس أفندي سرجي وسليمان أفندي الكماخي باشمحاسب ورفيقه أحمد أفندي باش زعيم مصر وهو الوالي وآغات التبديل أحمد آغا وهو أخو حسن آغا قلفة وصالح بك السلحدار وحسن آغا آغات الينكجرية وعلي آغا الشعراوي المذكور وكاتب الخزينة ولي خوجه ورئيس كتبة الأقباط المعلم غالي وأولاد الباشا إبراهيم باشا حاكم الصعيد وطوسون باشا فاتح بلاد الحجاز وإسماعيل باشا ببولاق ومحرم بك صهر الباشا أيضًا على ابنته بالجيزة أحمد آغا المعروف ببونابارته الخازندار وباقي كشاف الأقاليم وأكابر أعيانهم مثل دبوس أوغلي وحسن باشا وحسن آغا شرششمه وحجو بك وخلافهم‏.‏
وفي ذلك اليوم قبض كتخدا بك على المعلم غالي وأمر بحبسه وكذلك أخوه المسمى فرنسيس وخازنداره المعلم سمعان وذلك عن أمر مخدومه من الاسكندرية لأنه حول عليه الطلب بستة آلاف كيس تأخر أداؤها إياه من حسابه القديم فاعتذر بعدم القدرة على أدائها في الحين لأنها بواقي على أربابها وهو ساع في تحصيلها ويطلب المهلة إلى رجوع الباشا من غيبته فأرسل الكتخدا بمقالته واعتذاره إلى الباشا وانتبذ طائفة من الأقباط في الحط على غالي مع الكتخدا وعرفوه أنه إذا حوسب يطهر عليه ثلاثون ألف كيس فقال لهم وإن لم يتأخر عليه هذا القدر تكونوا ملزومين به إلى الخزينة فأجابوه إلى ذلك فأرسل يعرف الباشا بذلك فأرسل الأمر بالقبض عليه وعلى أخيه وخازنداره وحبسهم وعزله ومطالبته بستة آلاف كيس القديمة أولًا ثم حسبه بعد ذلك فأحضر المرافعين عليه وهم المعلم جرجس الطويل ومنقريوس البنتوني وحنا الطويل وألبسهم خلعًا على رياسة الكتاب عوضًا عن غالي ومن يليه واستمر غالي في الحبس ثم أحضره مع أخيه وخازنداره فضربوا أخاه أمامه ثم أمر بضربه فقال وأنا ضرب أيضًا قال نعم ثم ضربوه على رجليه بالكرابيج ورفع وكرر عليه الضرب وضرب سمعان ألف كرباج حتى أشرف على الهلاك ووجدوا في جيبه ألف شخص بندقي ومائتي محبوب عنها اثنان وعشرون ألف قرش ثم بعد أيام أفرجوا عن أخيه وسمعان ليسعيا في التحصيل وهلك سمعان واستمر غالي في السجن وقد رفعوا عنه وعن أخيه العقاب لئلا يموتا‏.‏
وفي عاشره رجع الباشا من غيبته من الاسكندرية وأول ما بدأ به إخراج العساكر مع كبرائهم إلى ناحية بحري وجهة البحيرة والثغور فنصبوا خيامهم بالبر الغربي والشرقي تجاه الرحمانية واستهل شهر صفر الخير سنة 1231 فيه تشفع جوني الحكيم في المعلم غالي وأخذه من الحبس إلى داره والعساكر مستهلون في التشهيل والخروج وهم لا يعلمون المراد بهم وكثرت الروايات والأخبار والإيهامات والظنون ومعنى الشعر في بطن الشاعر‏.‏
واستهل شهر ربيع الأول سنة 1231 فيه سافر طوسون باشا وأخوه إسماعيل باشا إلى ناحية رشيد ونصبوا عرضيهما عند الحماد وناحية أبي منضور وحسين بك دالي باشا وخلافه مثل حسن آغا زجنلي ومحو بك وصارى جله وحجو بك جهة البحيرة وكل ذلك تواطين وتلبيس للعساكر بكونه إخراج حتى أولاده العزاز للمحافطة وكذلك الكثير من كبرائهم إلى جهة البحر الشرقي ودمياط‏.‏
وفي ثاني عشره صبيحة المولد النبوي طلب الباشا المشايخ فلما جلسوا مجلسهم وفيهم الشيخ البكري أحضروا خلعة وألبسوها له على منصب نقابة الأشراف عوضًا عن السيد محمد المحروقي وفاوضه في ذلك ورأى أن يقلده إياه فاعتذر السيد محمد المحروقي واستعفى وقال أنا متقيد بخدمة أفندينا ومهمات المتاجر والعرب والحجاز فقال قد قلدتك إياها فأعطها لمن شئت فذكرانها كانت مضافة للشيخ البكري وهو أولى من غيره فلما حضروا وتكاملوا لبسوه الخلعة واستوصب الجماعة ذلك وانصرفوا وفي الحال كتب فرما بإخراج الدواخلي منفيًا إلى قرية دسوق فنزل إليه السيد أحمد الملا الترجمان وصحبته قواس تركي وبيده الفرمان فدخلوا إليه على حين غفلة وكان بداخل حريمه لم يشعر بشيء مما جرى فخرج إليهم فأعطوه الفرمان فلما قرأه غاب عن حواسه وأجاب بالطاعة وأمروه بالركوب فركب بغلته وسارا به إلى بولاق إلى المنزل الذي كان شراه بعد موت ولده والشيخ سالم الشرقاوي وانسل مما كان فيه كانسلال الشعرة من العجين وتفرق الجمع الذي كان حوله وشرع الأشياخ في تنميق عرضحال عن لسانهم بأمر الباشا بتعداد جنايات الدواخلي وذنوبه وموجبات عزله وإن ذلك بترجيهم والتماسهم عزله ونفيه ويرسل ذلك العرضحال لنقيب الأشراف بدار السلطنة لأن الذي يكون نقيبًا بمصر نيابة عنه ويرسل إليه الهدية في كل سنة فالذي نقموه عليه من الذنوب أنه تطاول على حسين أفندي شيخ رواق الترك وسبه وحبسه من غير جرم وذلك أنه اشترى منه جارية حبشية بقدر من الفراسة فلما أقبضه الثمن أعطاه بدلها قروشًا بدون الفرط الذي بين المعاملتين فتوقف السيد حسين وقال أما تعطيني العين التي وقع عليهم الانفصال أو تكمل فرط النقص وتشلحنا وأدى ذلك إلى سبه وحبسه وهو رجل كبير متضلع ومدرس وشيخ رواق الأتراك بالأزهر وهذه القضية سابقه على حادثة نفيه ومنها أيضًا أنه تطاول على السيد منصور اليافي بسبب فتيا رفعت إليه وهي أن امرأة وقفت وقفًا في مرض موتها وأفتي بصحة الوقت على قول ضعيف فسبه في ملأ من الجمع وأراد ضربه ونزع عمامته من أعلى رأسه‏.‏
ومنها أيضًا أنه يعارض القاضي في أحكامه وينقص محاصيله ويكتب في بيته وثائق قضايا صلحًا ويسب أتباع القاضي ورسل المحكمة ويعارض شيخ الجامع الأزهر في أموره ونحو ذلك وعندما سطروه وتمموه وضعوا عليه ختومهم وأرسلوا إلى إسلامبول على أن جناياته عند الباشا ليست هذه النكات الفارغة بل ولا علم له بها ولا التفات وإنما هي أشياء وراء ذلك كله ظهر بعضها وخفي عنا باقيها وذلك أن الباشا يحب الشوكة ونفوذ أوامره في كل مرام ولا يصطفي ويحب الأمن لا يعارضه ولو في جزئية أو يفتح له بابًا يهب منه ريح الدراهم والدنانير أو يدله على ما فيه من كسب وربح من أي طريق أو سبب من أي ملة كان ولما حصلت واقعة قيام العسكر في أواخر السنة الماضية وأقام الباشا بالقلعة يدبر أمره فيهم وألزم أعيان المتظاهرين الطلوع إليه في كل ليلة وأجل المتعممين الدواخلي لكونه معدودًا في العلماء ونقيبًا على الأشراف وهي رتبة الوالي عند العثمانيين فداخله الغرور وظن أن الباشا قد حصل في ورطة يطلب النجاة منها بفعل القربات والندور ولكونه رآه يسترضي خواطر الرعية المنهوبين ويدفع لهم أثمانها ويستميل كبار العساكر وينعم عليهم بالمقادير الكثيرة من أكياس المال ويسترسل معه في المسامرة والمسايرة ولين الخطاب والمذاكرة والمضاحكة فلما رأى إقبال الباشا عليه زاد طمعه في الاسترسال معه فقال له الله يحفظ أفندينا وينصره على أعدائه والمخالفين له ونرجو من إحسانه بعد هدوء سره وسكون هذه الفتنة أن ينعم علينا ويجرينا على عوائدنا في الحمايات والمسامحات بخصوص ما يتعلق بنا من حصص الالتزام والرزق فأجابه بقوله نعم يكون ذلك ولابد من الراحة لكم ولكافة الناس فدعا له وآنس فؤاده وقال الله تعالى يحفظ أفندينا وينصره على أعدائه كذلك يكون تمام ما أشرتم به من الراحة لكافة الناس الإفراج عن الرزق الأحباسية على المساجد والفقراء فقال نعم ووعده مواعيده العرقوبية فكان الدواخلي إذا نزل من القلعة إلى داره يحكي في مجلسه ما يكون بينه وبين الباشا من أمثال هذا الكلام ويذيعه في الناس ولما أمر الباشا الكتاب بتحرير حساب الملتومين على الوجه المرضي بديوان خاص لرجال دائرة الباشا وأكابر العسكر وذلك بالقلعة تطييبًا لخواطرهم وديوان آخر في المدينة لعامة الملتزمين فيحررون للخاصة بالقلعة ما في قوائم مصروفهم وما كانوا يأخذونه من المضاف والبراني والهدايا وغير ذلك والديوان العام التحتاني بخلاف ذلك فلما رأى الدواخلي ذلك الترتيب قال للباشا وأنا الفقير محسوبكم من رجال الدائرة فقال نعم وحرروا قوائمه مع الأكابر وأكابر الدولة وأنعم عليه الباشا بأكياس أيضًا كثيرة زيادة على ذلك فلما راق الحال ورتب الباشا أموره مع العسكر أخذ يذكر الباشا بإنجاز الوعد ويكرر القول عليه وعلى كتخدا بك بقوله أنتم تكذبون علينا ونحن نكذب على الناس وأخذ يتطاول على كتبة الأقباط بسبب أمور يلزمهم ويكلفهم بإتمامها وعذرهم يخفى عنه في تأخيرها فيكلمهم بحضرة الكتخدا ويشتمهم ويقول لبعضهم أما اعتبر ثم بما حصل للعين غالي فيحقدون عليه ويشكون منه للباشا والكتخدا وغير ذلك أمور مثل تعرضه للقاضي في قضاياه وتشكيه منه واتفق أنه لما حضر إبراهيم باشا من الجهة القبلية وكان بصحبته أحمد جلبي بن ذي الفقار كتخدا الفلاح وكأنه كان كتخداه بالصعيد وتشكت الناس من أفاعله وإغوائه إبراهيم باشا فاجتمع به الدواخلي عند السيد محمد المحروقي وحضر قبل ذلك إليه للسلام عليه وفي كل مرة يوبخه بالكلام ويلومه على أفاعيله بالقول الخشن في ملأ من الناس فذهب إلى الباشا وبالغ في الشكوى ويقول فيها أنا نصحت في خدمة أفندينا جهدي وأظهرت من المخبآت ما عجز عنه غيري فأجازي عليه من هذا الشيخ ما أسمعنيه من قبيح القول وتجبيهي بين الملأ وإذا كان محبًا لأفندينا فلا يكره نفعه ولا النصح في خدمته وأمثال ذلك مما يخفي عنا خبره فمثل هذه الأمور هي التي أوغرت صدر الباشا على الدواخلي مع أنها في الحقيقة ليست خلافًا عند من فيه قابلية للخير وأنا أقول أن الذي وقع لهذا الدواخلي إنما هو قاصا وجزاء فعله في السيد عمر مكرم فإنه كان من أكبر الساعين عليه إلى أن عزلوه وأخرجوه من مصر والجزاء من جنس العمل كما قيل‏:‏ فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا ولما جرى على الدواخلي ما جرى من العزل والنفي أظهر الكثير من نظرائه المتفقهين الشماتة والفرح وعملوا ولائم وعزائم ومضاحكات كما يقال‏.‏
أمور تضحك السفهاء منها ويبكي من عوافبها اللبيب وقد زالت هيبتهم ووقارهم من النفوس وانهمكوا في الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية ومشاركة الجهال في المآثم والمسارعة إلى الولائم في الأفراح والمآتم يتكالبون على الأسمطة كالبهائم فتراهم في كل دعوة ذاهبين وعلى الخوانات راكعين وللكباب والمحمرات خاطفين وعلى ما وجب عليهم من النصح تاركين‏.‏
وفي أواخره شرعوا في عمل مهم عظيم بمنزل ولي أفندي ويقال له ولي جحا وهو كاتب الخزينة العامرة وهو من طائفة الأرنؤد واختص به الباشا واستأمنه على الأمور وضم إليه دفاتر الإيراد من جميع وجوه جبايات الأموال من خراج البلاد والمحدثات وحسابات المباشرين وأنشأ دارًا عظيمة بخطة باب اللوق على البركة المعروفة بأبي الشوارب وأدخل فيها عدة بيوت بجانبها وتجاهها على نسق واصطلاح الأبنية الإفرنجية والرومية وتأنق في زخرفتها واتساعها واستمرت العمارة بها على نحو السنتين ولما كملت وتمت أحضروا القاضي والمشايخ وعقدوا لولديه على ابنتين من أقارب الباشا بحضرة الأعيان ومن ذكر واحتفلوا بعمل المهم احتفالًا زائدًا وتقيد السيد محمد المحروقي بالمصاريف والتنظيم واللوازم كما كان في أفراح أولاد الباشا واجتمعت الماعيب والبهلوانات بالبركة وما حولها وبالشارع وعلقوا تعاليق قناديل ونجفات وأحمال بلور وزينات واجتمع الناس للفرجة وبالليل حراقات ونفوط ومدافع وسواريخ سبع ليلا متوالية وعملت الزفة يوم الخميس واجتمعت العربات لأرباب الحرف كما تقدم في العام الماضي بل أزيد وذلك لأن الباشا لم يشاهد أفراح أولاده لكونه كان غائبًا بالديار الحجازية وحضر الباشا للفرجة وجلس بمدرسة الغورية بقصد الفرجة وعمل له السيد محمد المحروقي الغداء وخرجوا بالزفة أوائل النهار وداروا بها دورة طويلة فلم يمروا بسوق الغورية إلا قريب الغروب أواخر النهار‏.‏ واستهل

يتبع


 
 توقيع :


موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, الأثار, الاول, التراجم, الحثربي, الحزن, عجائب, والأخبار, كتاب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:22 AM.


website security
2010 - 2011 جميع الحقوق محفوظة لمنتديات زهور أدبية
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010